وقد تكون الدعوة فرض عين إذا كنتَ في مكان ليس فيه من يؤدّي ذلك سواك، كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإنه يكون فرض عين، ويكون فرض كفاية.
وعند قلّة الدعاة، وكثرة المنكرات، وغلبة الجهل، كحالنا اليوم، تكون الدعوة فرض عين على كل واحد بحسب طاقته، فقد تكون فرض عين بالنسبة إلى أقوام وإلى أشخاص، وسنّة بالنسبة لأشخاص وأقوام، لأنه وجد في محلّهم وفي مكانهم مَن قام بذلك وكفى عنهم (1) .
هي إذن في زماننا هذا فريضة شرعية على كل مسلم ومسلمة، رجلا كان أم امرأة، شابا مان أم كهلا، كلٌّ يبلّغ ما عَلِمَه ولو آية. يقول ربنا: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 71] .
{الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ} [التوبة: 67] . يقول الإمام القرطبي في تفسيره: فجعل الله الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر فرقا بين المؤمنين والمنافقين، فدلّ على أن أخص أوصاف المؤمنين: الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ورأسها الدعاة إلى الإسلام.
ولذلك، يبيّن المولى هذه المهمة العظيمة في قوله: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران: 110] . فوصف الأمة المسلمة بما وصف به رسوله - صلى الله عليه وسلم: {النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ} [الأعراف: 157] .
كما قال - سبحانه وتعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104] .
يقول ابن كثير في تفسيره: والمقصود من هذه الآية أن تكون فرقة من هذه الأمة متصدّية لهذا الشأن، وإن كان ذلك واجبا على كل فرد من الأمة كلٌّ بحسبه، كما ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيْمَانِ» ، وفي رواية: «وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الْإِيْمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ» (2) .
ولقد أقسم المولى - سبحانه وتعالى - بالعصر فقال: وَالْعَصْرِ. إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ. إِلَّا
(1) المرجع السابق، مقال الشيخ عبدالعزيز بن باز.
(2) صحيح مسلم