فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 244

وأمانه، ولن يتحقق هذا الأمن والأمان إلا إذا شعر كل مسلم بأن في عنقه أمانة ثقيلة بالنسبة لعالمية الدعوة التي لا تقتصر على زمان أو مكان، ولا على دولة أو هيئة أو جماعة، بل إن هذه مسؤولية كل مسلم بقدْرٍ مشترك بين الجميع، فلكل مسلم في هذا القدر دور ونصيب: «بَلِّغُوا عَنِّيْ وَلَوْ آيَةً» (1) .

ولهذا كان لا بد لهذه الدعوة العظيمة الشاملة من دعاة أقوياء، وهداةٍ أشداء، ومبلِّغِين صابرين يتناسبون مع عظمتها وشمولها، قادرين على أن يمدّوا أشعّة ضيائها في أنفس الناس وعقولهم وضمائرهم، بعد أن تشرق بها جوائحهم، وتستضيء بها حياتهم.

ولقد دلّت الأدلة من الكتاب والسنة على وجوب الدعوة إلى الله -عزّ وجلّ -، وأنها من الفرائض، ولقد ذكرنا بعضا منها، كقوله تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104] ، وقوله: {وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [القصص: 87] ، وقوله: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي} [يوسف: 108] .

فبيّن - سبحانه - أن أتباع الرسول - صلى الله عليه وسلم - هم الدعاة إلى الله وهم أهل البصائر، والواجب - كما هو معلوم - هو اتباعه، والسير على منهاجه - عليه الصلاة والسلام - كما قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21] .

ولقد صرّح العلماء أن الدعوة إلى الله - عزّ وجلّ - فرض كفاية بالنسبة إلى الأقطار التي يقوم فيها الدعاة بالدعوة، لأن كل قطر، وكل إقليم يحتاج إلى استمرارية الدعوة، وفي هذه الحالة تكون فرض كفاية إذا قام بها من يكفي، سقط عن الباقين ذلك الواجب، وصارت الدعوة في حق الباقين سنةً مؤكدةً وعملًا صالحا، وإذا لم يقم أهل الإقليم أو أهل القطر المعيّن بالدعوة على التمام، صار الإثم عاما، وصار الواجب على الجميع، وعلى كل إنسان أن يقوم بالدعوة حسب طاقته وإمكانه. أما بالنظر إلى عموم البلاد، فالواجب أن يوجّه طائفة منتصبة تقوم بالدعوة إلى الله - عزّ وجلّ - في أرجاء المعمورة تبلغ رسالات الله، وتبيّن أمر الله - عزّ وجلّ - بالطرق الممكنة، فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد بعث الدعاة، وأرسل الكتب إلى الناس، وإلى الملوك، والرؤساء، ودعاهم إلى الله - عزّ وجلّ - (1) .

فالواجب على أهل العلم والإيمان وعلى خلفاء الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يقوموا بهذا الواجب، وأن يتكاتفوا فيه، وأن يبلّغوا رسالات الله إلى عباد الله، لا يخشون في الله لومة لائم، ولا يحابون في ذلك كبيرا أو صغيرا، ولا غنيًّا ولا فقيرًا.

(1) من أبحاث الدعوة الإسلامية للندوة العالمية للشباب لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز، ص 37 (مقالة بعنوان: فضل الدعوة إلى الله) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت