فهرس الكتاب
من أعطاه الله علما زتقى وورعا لا تستهزئ بهم، ولا تسخر منه، بل تعط كل ذي حق حقه، واستمع معي إلى هذا الموقف التربوي من رسول الله - صلى الله عليه وسلم: مرّ - صلى الله عليه وسلم - به يوما رجل، فقال لرجل عنده جالس معه: ما رأيك في هذا؟ فقال رجل من أشراف الناس: هذا والله حريّ إن خطب أن يزوّج، وإن شفع أن يشفع، فسكت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم مرّ رجل آخر، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: ما رأيك في هذا؟ فقال: يا رسول الله، هذا رجل من فقراء المسلمين، هذا والله حريّ إن خطب ألا يزوّج، وإن شفع ألا يشفع، وإن قال لا يسمع لقوله، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: هذا خير من ملء الأرض من مثل هذا.
فهو هنا - صلى الله عليه وسلم - يقارن بين غنيّ خبث باطنه وحسن ظاهره، وبين فقير طاب باطنه وهان مظهره، وتلك من اللفتات النبوية الدقيقة التي من شأنها أن تظهر لك المفارقة الشاسعة بين هذين الطرفين، وقال في هذا المعنى يوما لأبي ذر: أترى كثرة المال هي الغنى، قلت: نعم يا رسول الله، قال: إنما الغنى غنى القلب، والفقر فقر القلب، ثم قال أبو ذر: فسألني عن رجل من قريش، هل تعرف فلانا؟ قلت: نعم يا رسول الله، قال: فكيف تراه؟ قلت: إذا سأل أعطي، وإذا حضر أدخل. قال: ثم سألني عن رجل من أهل الصفة، فقال: هل تعرف فلانا؟ قلت: لا، والله، فما زال يجلّيه وينعته حتى عرفته، قال: كيف تراه؟ قلت: هو رجل مسكين من أهل الصفة، قال: فهو خير من طلاع الأرض من الآخر (1) .
وهكذا يتعلم المسلمون من دروس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كيف ينزلون الناس منازلهم، وربما يقول قائل: كل ما أشرت إليه يتصل بإنزال المسلمين منازلهم، وهذا أمر لا يختلف فيه مسلم، لكن غير المسلم مهان ذليل لا يجب احترامه.
فنقول - وبالله التوفيق: إن هذا القول مردود على صاحبه، فإننا أمرنا أن ننزل الناس منازلهم، كما روى أبو الدرداء عن ميمون بن أبي شيبة - رحمه الله: أن عائشة - رضي الله عنها - قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «أَنْزِلُوا النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ» ، وفي رواية: أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ننزل الناس منازلهم.
وروى الترمذي عن أنس - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «مَا أَكْرَمَ شَابٌ شَيْخًا لِسِنِّهِ إِلَّا قَيَّضَ اللهُ لَهُ مَنْ يُكْرِمُهُ عِنْدَ سِنِّهِ» ، وأنت ترى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «أَنْزِلُوا النَّاسَ» كل الناس، ولم يقل: أنزلوا المسلمين أو المؤمنين، بل كل الناس، وكذلك إكرام الشيخ أي شيخ، لأن الإسلام دين الأخلاق الفاضلة.
(1) الدعوة والداعية، للبهي الخولي، ص 175.