فهرس الكتاب

الصفحة 173 من 244

واسمع إلى ما رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح، عن شهاب بن عباد، أنه سمع وفد عبد القيس وهم يقولون: قدمنا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاشتد فرحهم، فلما انتهينا إلى القوم أوسعوا فقعدنا، فرحب بنا النبي - صلى الله عليه وسلم - ودعانا، ثم نظر إلينا، فقال: من سيدكم؟ فأشرنا جميعا إلى المنذر بن عائذ، فلما دنا منه المنذر أوسع القوم له ححتى انتهى إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقعد عن يمين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرحب به وألطفه وسأله عن بلادهم. وما أوضح ما رواه الشيخان أن سعد بن معاذ سيد الأوس لما دنا من المسجد، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - للأنصار: «قُوْمُوْا إِلَى سَيِّدِكُمْ أَوْ خَيْرِكُمْ» .

وأزيدك - فقهني الله وإياك - فعن عدي بن حاتم قال: أتينا عمر في وفد، فجعل يدعو رجلا رجلا ويسميهم، فقلت: أما تعرفني يا أمير المؤمنين؟ قال: بلى، أسلمت إذ كفروا، وأقبلت إذ أدبروا، ووفيت إذ غدروا، وعرفت إذ أنكروا، فقال عدي: فلا أبالي إذًا (1) .

أي: إذا كنت تعرف قدري - يا أمير المؤمنين - فلا أبالي إذ قدمت عليّ غيري، ولقد ذكر في كتب السيرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين طلب الجوار من الحليس بعد عودته من الطائف، رفض فطلبها من سهيل بن عمرو، فرفض، ورحب بها مطعم بن عدي، فدخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في جواره (حمايته) .

فلم ينس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للمطعم هذا الموقف النبيل، وإذا به يتذكره يوم بدر، يوم أن وقع عدد من المشركين أسرى في يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وإذا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتذكر فضل المطعم يوم عودته من الطائف، فيقول ما معناه - والله، لو أن المطعم حيا، وطلب مني فك أسرهم، لأجبته.

إنه - صلى الله عليه وسلم - ينزل هذا المشرك منزلته حتى بعد موته، فأي أخلاق عالية هذه؟ وأي قمة سامقة يُقتدى بها - صلوات الله وسلامه عليه - وها هو ذا العباس يجيء بأبي سفيان إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليسلم، فبعد أن أسلم قال العباس لرسول الله - صلى الله عليه وسلم: إن أبا سفيان يحب هذا الفخر، فاجعل له شيئا، قال: نعم، من دخل دار أبي سفيان فهو آمنن ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن (2) .

فهل من الدعوة في شيء الاستخفاف بالناس، واحتقار الكبير، والتعالي على ذوي المركز والسلطان ونحن نخاطبهم، هل من الإسلام ألا نحترم الرئيس، ونسب الوزير، ونتبجح على المدير، ونسفه آراء من يكبرنا سنا ومركزا، ليس هذا من الإسلام في شيء.

(1) البخاري (8/ 102) ، حديث [4394] .

(2) حياة الصحابة للكاندهلوي (1/ 144) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت