الله، الله على تلامذة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذين تعلموا على يديه، واقتدوا به: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} [الأنعام: 90] ، ألا فاستمع إلى قصة إسلام سعد بن معاذ - رضي الله عنه -، فبعد وصول مصعب بن عمير إلى المدينة، نزل على أسعد بن زرارة، فكان أسعد بن زرارة يطوف به على دور الأنصار لدعوتهم إلى الدين. فخرج به يريد دار بني عبد الأشهل، ودار بني ظفر، وكان سعد بن معاذ، ابن خالة أسعد بن زرارة، دخل أسعد ومصعب حائطا (مزرعة) من حوائط بني ظفر، فقالا (أي: أنهما قضيا وقت القيلولة) على بئر بقال له: بئر مرق، واجتمع إليهما رجال من المسلمين، وكان سعد بن معاذ، وأسيد بن خضير - وهما سيدا قومهما - لم يسلما بعد، فقال سعد لأسيد: لا أبا لك، انطلق إلى هذين الرجلين اللّذين قد أتيا دارينا ليسفها ضعفاءنا فازجرهما وانههما عن أن يأتيا دراينا، فإنه لولا أن أسعد بن زرارة مني، حيث علمت، كفيتك ذلك .. هو ابن خالتي، ولا أجد عليه مقدما.
فأخذ أسيد بن خضير حربته، ثم أقبل إليهما، فلما رآه أسعد بن زرارة قال لمصعب بن عمير: هذا سيد قومه قد جاءك، فاصدق الله فيه، قال مصعب: إن يجلس، أكلمه، فوقف عليهما متشتما، فقال: ما جاء بكما إلينا تسفهان ضعفاءنا، اعتزلانا إن كانت لكما بأنفسكما حاجة، قال له مصعب: أو تجلس فتسمع؟ فإن رضيت أمرا قبلته، وإن كرهته، كفّ عنك ما تكره؟ قال: أنصفت، ثم ركز حربته، وجلس إليهما، فكلمه مصعب بالإسلام، وقرأ عليه القرآن، ثم عرف في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم في إشراقه وتسهله.
ثم قال: ما أحسن هذا الكلام وأجمله، كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين؟ قالا له: تغتسل فتتطهر، وتطهر ثوبيك، ثم تشهد شهادة الحق، ثم تصلي، فقام فاغتسل وطهر ثوبيه، وتشهد شهادة الحق، ثم قام فركع ركعتين، ثم قال لهما: إن ورائي رجلا إن اتبعكما لم يتخلف عنه أحد من قومه، وسأرسله إليكما: سعد بن معاذ، ثم أخذ حربته، وانصرف إلى سعد وقومه، وهم جلوس في ناديهم، فلما نظر إليه سعد بن معاذ مقبلا، قال: أحلف بالله، لقد جاءكم أسيد بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم! فلما وقف على النادي، قال له سعد: ما فعلت؟ قال: كلمت الرجلين، فوالله، ما رأيت بهما بأسا، وقد نهيتهما، فقالا: نفعل ما أحببت، وقد حدثت أن بني حارثة قد خرجوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه، وذلك أنهم قد عرفوا أنه ابن خالتك ليخفروك (ليغدروك) ، فقام سعد مغضبا مبادرا، تخوفا للذي ذكر له من بني حارثة، فأخذ الحربة من يده، ثم قال: والله، ما أراك أغنيت شيئا، ثم خرج إليهما، فلما رآهما سعد مطمئنين، عرف سعد أن أسيدا إنما أراد أن يستدرجه إليهما ليسمع منهما.
وقف عليهما متشتما .. ثم قال لأسعد بن زرارة: يا أبا أمامة، أما والله، لولا ما