فهرس الكتاب

الصفحة 154 من 244

على ركبتيه أو كتفه أو يدنيه منه وهو يتحدث إليه أو يعطيه وجهه حين الحديث معه والإنصات إليه؛ حتى يشعر بقرب الداعي منه وقربه منه.

وكلنا يقرأ هذا الحديث الذي فيه من التعلم الكثير، فاسمع إليه:

عن ابن عمر حدثني أبي عمر بن الخطاب قال:"بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَاتَ يَوْمٍ، إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعَرِ، لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ، وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ، حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي عَنِ الْإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْإِسْلَامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا» ، قَالَ: صَدَقْتَ، قَالَ: فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ، وَيُصَدِّقُهُ، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْإِيمَانِ، قَالَ: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» ، قَالَ: صَدَقْتَ، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْإِحْسَانِ، قَالَ: «أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» ، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ السَّاعَةِ، قَالَ: «مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ» قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَتِهَا، قَالَ: «أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا، وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ» ، قَالَ: ثُمَّ انْطَلَقَ فَلَبِثْتُ مَلِيًّا، ثُمَّ قَالَ لِي: «يَا عُمَرُ أَتَدْرِي مَنِ السَّائِلُ؟» قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ» (1) ."

قال الإمام النووي:"ينبغي للعالم أن يرفق بالسائل ويدنيه منه ليتمكن من سؤاله غير هائب ولا منقبض". ولا شك، أن الداعي يجب عليه أن يتجلى بأخلاق العلماء متخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسوة حسنة، ولا يستنكر على المدعو ما يسأل عنه مهما كان السؤال، وعلى الداعية إذا سئل عما لا يعلم أن يصرح بأنه لا يعلم ولا يكون في ذلك نقص من مرتبته، بل يكون دليلا على مزيد ورعه.

إن الداعي يسيء إلى نفسه ودعوته حين ينظر إلى الناس النظرة الدونية أو نظر المستعلم المترفع كأنه يقول لهم بلسان الحال: أنا العالم وأنتم الجهلة، وأنا التقي الورع وأنتم الفسقة. وأنا الهادي من الضلالة وأنتم الكفرة الفجرة، فليتذكر الداعي قول ربه: {كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا} ليتذكر حاله قبل هدايته: {وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى} فلا يرمي أهل المعاصي بما يكرهون ولا يكونون في نظره الفسقة في أعمالهم، الكفرة في اعتقادهم أهل البدع في عاداتهم وتقاليدهم وشتى سلوكهم، فهو بذلك يفرق وينفر ويبغض، فإذا هم فرّار لا أذن لهم تسمع ولا قلب يعي؟ ولذا، وجب على الداعي أن يتلطف بهم، وأن يربت على أكتافهم ويبتسم في وجوههم ويناديهم بأحب الأسماء والكنى إليهم،

(1) صحيح مسلم (1/ 160) ، كتاب الإيمان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت