فهرس الكتاب

الصفحة 242 من 244

ملكا في قومي، لما كان يصنع بي، ثم يسترسل في قصة إسلامه المعروفة إلى أن يلقى برسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول له: «لَعَلَّكَ يَا عَدِيُّ إِنَمَا يَمْنَعُكَ مِنَ الدُّخُولِ فِي هَذَا الدِّينِ مَا تَرَى مِنْ حَاجَتِهِمْ، فَوَاللَّهِ لَيُوشَكَنَّ الْمَالُ يَفِيضُ فِيهِمْ حَتَّى لَا يُوجَدَ مَنْ يَأْخُذُهُ؛ وَلَئِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ، لَتُفْتَحَنَّ كُنُوزُ كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ، وَلَعَلَّكَ إِنَّمَا يَمْنَعُكَ مِنْ الدُّخُوْلِ فِيْهِ مَا تَرَى مِنْ كَثْرَةِ عَدَدِهِمْ وَقِلَّةِ عَدَدِنَا؛ تَقُوْلُ: إِنَّمَا اتَّبَعَهُ ضَعَفَةُ النَّاسِ وَمَنْ لَا قُوَّةَ لَهُمْ، وَقَدْ رَمَتْهُمُ الْعَرَبُ، فَوَاللَّهِ لَيُوشَكَنَّ أَنْ تَسْمَعَ بِالْمَرْأَةِ تَخْرُجُ مِنَ الْقَادِسِيَّةِ عَلَى بَعِيرِهَا حَتَى تَزُورَ هَذَا الْبَيْتَ لَا تَخَافُ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ -، وَلَعَلَّكَ إِنَّمَا يَمْنَعُكَ مِنَ الدُّخُولِ فِيْهِ أَنَّكَ تَرَى الْمُلْكَ وَالسُّلْطَانَ فِي غَيْرِهِمْ، وَأَيْمُ اللَّهِ، لَيُوشِكَنَّ أَنْ تَسْمَعَ بِالْقُصُورِ الْبِيضِ مِنْ أَرْضِ بَابِلَ قَدْ فُتِحَتْ عَلَيْهِمْ» . قَالَ عَدِيٌّ: فَلَمَّا سَمِعْتُ ذَلِكَ، أَسْلَمْتُ (1) .

أي فقه بالقلوب هذا؟ وأي دروس للمسلمين هذه فيفقهوا دعوتهم، ويخاطبوا الناس بما يجذبهم نحو هذه الدعوة، فإن للقلوب مفاتيح وفق من وهبه الله إياها، وتلك هي الحكمة التي يؤتيها الله من يحب من عباده: {وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا} [البقرة: 269] .

والغريب في الأمر أن بعض الناس تجده وكأنه يدفع العاصي دفعا إلى النار، فلا يأخذ بحجزه، ولكن يسدّ أمامه باب التوبة، ويقنّطه من رحمة الله، وكأنه لم يقرأ قول المولى: {قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ. وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ. أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ. أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ. أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [الزمر: 53 - 58] .

هي دعوة - كما ترى - لمن أسرف في المعصية، ولجّ في الذنب، وأبق عن الحمى، وشرد عن الطريق، ليست بينه وبين هذا كله إلا التوبة، الأوبة إلى الباب المفتوح الذي ليس عليه بواب يمنع، والذي لا يحتاج من يلج فيه إلى استئذان، فمن أراد الأوبة من الشاردين فليؤب، ومن أراد الإنابة من الضالين، فليتب، ومن أراد الاستسلام من العصاة، فليستسلم، وليأت، وليدخل، فالباب مفتوح، لا حاجب دونه ولا حسيب. فهيا قبل فوات الأوان، هيا: {مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ} [الزمر: 54] ، هيا: {وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ} [الزمر: 55] ، هيا قبل أن تتحسروا على فوات الفرصة، وعلى التفريط في حق الله وعلى السخرية بوعد الله وتقولون: يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ

(1) الدعوة السعودية، العدد (49) ، 9 شوال 1404 هـ - يوليو 1984 م من مقال: أسلوب تربوي في الدعوة إلى الله، للأستاذ عبد الرحمن صالح العشماوي. وانظر: تاريخ الرسل والملوك للطبري (3/ 115) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت