والموت في سبيله أسمى الأماني.
{قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي} [يوسف: 108] .
وبذلك يكون قد عرف المدعو طبيعة الطريق، وحدد معالمه، واقتنع بالسير فيه، فهل يرفض أمرا أو يتقاعس عن واجب، لقد بذل الإمام البنا جهدا مضنيا ليعرف الإخوان أمر دينهم قبل أن يكلفهم بشيء، وأسمعه وهو يعرّف الشباب معالم طريقه، والثقة فيه، يقول:
"أيها الشباب، على هذه القواعد الثابتة وإلى هذه التعاليم السامية ندعوكم جميعا. فإن آمنتم بفكرتنا، واتبعتم خطواتنا، وسلكتم معنا سبيل الإسلام الحنيف، وتجردتم من كل فكرة سوى ذلك، ووقفتم لعقيدتكم كل جهودكم فهو الخير لكم في الدنيا والآخرة، وسيحقق الله بكم إن شاء الله ما حقق بأسلافكم في العصر الأول، وسيجد كل عامل صادق منكم في ميدان الإسلام ما يرضى همته ويستغرق نشاطه إذا كان من الصادقين، وإن أبيتم إلا التذبذب والاضطراب، والتردد بين الدعوات الحائرة والمناهج الفاشلة، فإن كتيبة الله ستسير غير عابئة بقلة ولا بكثرة: {وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} [آل عمران: 126] ".
ولقد كان لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعض المواقف التعليمية التي يريد بها تعريف الصحابة بأمر من أمور الإسلام، لينطلقوا راشدين في طريق الدعوة، وها هو ذا معاذ بن جبل في موقف من هذه المواقف يقول: كنت رديف النبي - صلى الله عليه وسلم - على حمار، ليس بيني وبينه إلا مؤخرة الرحل، فقال: «يَا مُعَاذُ، هَلْ تَدْرِيْ مَا حَقُّ اللهِ عَلَى الْعِبَادِ؟ وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللهِ؟» قُلْتُ: اللهُ وَرَسُوْلُهُ أَعْلَمُ.
قَالَ: «حَقُّ اللهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوْهُ وَلَا يُشْرِكُوْنَ بِهِ شَيْئًا، وَحَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا» .
فَقُلْتُ: يَا رَسُوْلَ اللهِ، أَفَلَا أُبَشِّرُ بِهِ النَّاسَ؟ قَالَ: «لَا تُبَشِّرْهُمْ فَيَتَّكِلُوْا» .
وأخيرا، فإن بعض الدعاة ينصبون أنفسهم قضاة، لا همّ لهم إلا إصدار الحكم على الناس: هذا فاسق، وذاك كافر، والآخر منافق، ولو صبروا حتى يتبين للمدعو القدر من الفهم الذي عليه هذا الإنسان الذي رماه، لَعَذره بجهله، ولَاتَّهَم نفسه هو بالتقصير في التبليغ، أو التعريف بدعوة الإسلام.
ولذلك، يجب أن يوضع في الاعتبار ونحن نعرّف الناس بدعوتنا:
1 -أن خير النفوس، تلك النفوس التي ترى سعادتها في إسعاد الناس وإرشادهم إلى الفضيلة، وإدخال السرور عليهم.
2 -أن العمل لجليل هو الذي يتجاوز بنتائجه الإنسان وأسرته إلى أمته وبني جنسه.
(1) طريق الدعوة، للأستاذ مصطفى مشهور، ص 113.