الذي بعثهم به إذعانا قسريا، دون أن يقيموا الحجج والأدلة الواضحة على أن ما جاءوا به هو الحق، وأن ما دونه هو الباطل - للمرتابين في ذلك، بل كلف الله سبحانه رسله أن يقوموا بواجب التبليغ المصحوب بالبينة؛ ذلك لأن الناس لا يلزمهم الإيمان، إلا إذا قات عليهم الحجة بالتبليغ، ومن مهمة الرسل - كما قلنا - أن يوضحوا ويبينوا للناس ما أرسلهم الله به، وقد ذكر الله سبحانه عن جميع رسله أنهم جاءوا أقوامهم بالبينات، وذلك في مثل قوله: {تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ} [الأعراف: 101] .
وقال تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} [الحديد: 25] .
فهذا نوح - عليه السلام - بعد أن عرض على قومه دعوته: {قَالُوا يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} [هود: 32] ، فأجابهم بقوله: {يَاقَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ} [يونس: 71] ، وكذلك فعلوا مع هود - عليه السلام - حين دعاهم إلى الإيمان بالله: {قَالُوا يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ. إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ} [هود: 53 - 54] .، فكانت إجابته: قال: {إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ. مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ. إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [هود: 54 - 56] .
وأما إبراهيم - عليه السلام - فقد عرف القوم بربه، فقال: {الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ. وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ. وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ. وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ. وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ} [الشعراء: 72] .
وكذلك فعل جميع الرسل والأنبياء يعرفون أقوامهم بحقيقة دعوتهم إلى الله، ويبينون لهم ما نزل عليهم. هذا ما كان يقوم به رسل الله الكرام في أزمانهم، وفي زماننا هذا طال على المسلمين الأمد فأصبحوا بين تائه وحيران، وضال ومتعطش للحق، والمضلل به، والمتعبد على جهل، وكل هؤلاء في حاجة إلى من يأخذ بأيديهم إلى الطريق الأقوم، ويرشدهم إلى صراط الله المستقيم، حتى يكون الجميع على هدى، وتلزم الحجة من أعرض بعد البيان. ولذلك فإن مسؤولية البيان وأسلوبه في أعناق الدعاة إلى الله، ومن فضل الله، فإن أعداء دين الله لا يستطيعون مقاومة الحق بالبرهان والحجة، لأن الباطل لا يملك الحجة التي يقوم عليها وجوده، ولا سلطان له على النفوس إلا عن طريق الشبهة والشهوة، فعلى الداعي أن يعرف بمجرد أن يحمل الدعوة