وَجَعَلَ فِيهَا مَا جَعَلَ؟ قَالَ: «اللهُ» ، قَالَ: فَبِالَّذِي خَلَقَ السَّمَاءَ، وَخَلَقَ الْأَرْضَ، وَنَصَبَ هَذِهِ الْجِبَالَ، آللَّهُ أَرْسَلَكَ؟ قَالَ: «نَعَمْ» ، قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِنَا، وَلَيْلَتِنَا، قَالَ: «صَدَقَ» ، قَالَ: فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ، آللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: «نَعَمْ» ، قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا زَكَاةً فِي أَمْوَالِنَا، قَالَ: «صَدَقَ» ، قَالَ: فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ، آللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: «نَعَمْ» ، قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا صَوْمَ شَهْرِ رَمَضَانَ فِي سَنَتِنَا، قَالَ: «صَدَقَ» ، قَالَ: فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ، آللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: «نَعَمْ» ، قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا حَجَّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا، قَالَ: «صَدَقَ» ، قَالَ: ثُمَّ وَلَّى، قَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، لَا أَزِيدُ عَلَيْهِنَّ، وَلَا أَنْقُصُ مِنْهُنَّ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَئِنْ صَدَقَ لَيَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ» (1) .
فأنت ترى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يبلغ الفرائض فقط، ويكتفي بكليات الإسلام، بالرغم من أن هذا التبليغ بعد هجرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبعد فرض الحج على المسلمين، وهو آخر ما فرض من الشعائر، أي بعد إقامة دولة الإسلام، واكتمال الدين، وإتمام النعمة، ومع هذا، ما فصل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما زاد عن الفرائض التي سأله الرجل عنها، إذ أن على الداعي أن يراعي حال المخاطب، فيخص بعض الأعمال بالحض عليها حسب حال المدعو وافتقاره إليها، فينبه عليها أكثر مما سواها، إما لمشقتها عليه، وإما لتسهيله في أمرها.
"وفي مثل هذه الأحاديث فائدة عظيمة، فلعل أصحابها الذين يسألون هذه الأسئلة كانوا حديثي عهد بالإسلام، فاكتفى منهم بفعل ما وجب عليهم في تلك الحال، لئلا يثقل عليهم فيملوا، حتى إذا انشرحت صدورهم للفهم والحرص على تحصيل ثواب المندوبات، سهلت عليهم".
ولقد كان صدر الصحابة ومن تبعهم يواظبون على السنن مواظبتهم على الفرائض، ولا يفرقون بينهما في اغتنام ثوابهما، وإنما احتاج الفقهاء إلى التفرقة لما يترتب عليه من وجوب الإعادة أو تركها، ووجوب العقاب على الترك ونفيه (2) .
واسمع إلى تعليق الإمام النووي حيث يقول:"قال الشيخ أبو عمر بن الصلاح - رحمه الله: في هذا الحديث - السابق - دلالة واضحة لصحة ما ذهب إليه أئمة العلماء من أن العوام المقلدين مؤمنون، وأنه يكتفى منهم بمجرد اعتقاد الحق جزما من غير شك، خلافا لمن أنكر ذلك من المعتزلة، وذلك أنه - صلى الله عليه وسلم - أقرّ رسوله على ما اعتمد عليه من تعرف رسالته وصدقه ومجرد إخباره إياه بذلك، ولم ينكر عليه ذلك، ولا قال: يجب عليك معرفة ذلك بالنظر في معجزاتي، والاستدلال بالأدلة القطعية". وهذا أمر يشق على العامة من المسلمين، ووقف على مَن فقه منهم خاصة.
وأنت ترى أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أقر له بالفلاح بمجرد الإتيان بالفرائض دون السنن والنوافل، ففي هذا الحديث، كما قال الإمام النووي: احتمال أنه أراد أنه لا يصلي النافلة، مع أنه لا
(1) مسلم (1/ 171) باب السؤال عن أركان الإسلام.
(2) البخاري (3/ 265) .