فهرس الكتاب

الصفحة 239 من 244

النوع من الجدل هو الذي أشار إليه الحديث: «مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كَانُوا عَلَيْهِ إِلَّا أُوْتُوا الْجَدَلَ» .

ومثل هذا الموقف المتناقض - الاجتراء على الكبائر والوسوسة في التوافه - هو ما أثار الصحابي الجليل عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما - حين سأل رجل من أهل العراق عن دم البعوضة ونحوه بعد قتل السبط الشهيد سيد الشباب الحسين بن علي - رضي الله عنهما - (1) .

فقد روى الإمام أحمد بسنده عن ابن أبي نعيم قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عَمْرٍو وَأَنَا جَالِسٌ، فَسَأَلَهُ عَنْ دَمِ الْبَعُوضِ؟ - وَفِيْ رِوَايَةٍ آخَرَ لِلْحَدِيْثِ: أَنَّهُ سَأَلَهُ عَنْ مُحْرِمٍ قَتَلَ ذُبَابًا - فَقَالَ لَهُ: مِمَّنْ أَنْتَ؟ قَالَ: مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ، قَالَ: هَا انْظُرُوا إِلَى هَذَا، يَسْأَلُ عَنْ دَمِ الْبَعُوضِ، وَقَدْ قَتَلُوا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (يَعْنِيْ: الْحُسَيْنَ) ، وَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «هُمَا رَيْحَانَتِي مِنَ الدُّنْيَا» (2) .

فالمطلوب من الداعي أن يعرّف المدعو: فعل المأمور - وترك المحظور - والصبر على المقدور، وليس معنى هذا أن يكون كلامه مقصورا على الجنة والنار، والبعث والحساب، والقلب والبدن فحسب، بل لا بد أن يربط أصول دعوته بشذوذ الأوضاع التي يراها، وبلايا المطامع التي يعايشها، وفساد الأخلاق التي تحيط به، وضحايا الطغيان في شتى البقاع، حتى يحيى دعوته بامتزاجها بآلام الناس وآمالهم قلوب المدعوين رابطا الحديث بالقديم، ليوضع سنن الله في الكون والإنسان والحياة.

كل ذلك بأسلوب رقيق مقنع، وأدلة لا يختلف فيها أحد، بعيدا عن الاعتداد بالرأي، والسفسطة والدخول في الخلافات التي تؤدي إلى المراء، بل والعنف والشدة والحدة والمسارعة إلى الرد الغليظ والكلام الجافي، وكل ذلك لا تقوم به رسالة، ولا يحقق أملا، وإنما الذي يحقق الأمل أن تصنع عقلية تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتنظر إلى حقائق الوجود وإلى الغاية من الحياة على ضوء هذا الإيمان، فإذا ما تحققت هذه العقلية، توحدت المشاعر، والشعائر والتصور والسلوك، وحينئذ لو عرضت على المدعو ما عرضت من أوامر الله من فروع وأصول ما سمعت منه إلا قوله لربه: {سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيْرُ} .

(1) نحو وعي إسلامي رشيد (صحوة الشباب الإسلامي ظاهرة صحية يجب ترشيدها لا مقاومتها) ا. هـ.، يوسف القرضاوي، ص 7 بتصرف.

(2) أخرجه أحمد في ثلاثة مواقع من المسند [5568] ، [5575] ، [6406] ، وقال الشيخ أحمد: إسناده صحيح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت