الداعي كباطنه يحاسب نفسه على كل أمر من الأمور، وكل حركة من الحركات، بل وكل سكنة من السكنات، ليقي نفسه العثرات والزلات، ولقد ضرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أروع الأمثال للناس لعلهم يقتدون به فيفوزون، فاسمع إليه - صلى الله عليه وسلم - وهو يقول: «إِنِّيْ لَأَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِيْ، فَأَجِدُ التَّمْرَةَ سَاقِطَةً عَلَى فِرَاشِيْ، فَأَرْفَعُهَا لِآكُلَهَا، ثُمَّ أَخْشَى أَنْ تَكُوْنَ مِنْ صَدَقَةٍ، فَأُلْقِيْهَا» (1) .
ولكن ماذا يحدث لو أكلها؟ اسمع إلى الإمام أحمد في مسنده يقول: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - أَرِقَ مِنَ اللَّيْلِ، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ نِسَائِهِ:"يَا رَسُوْلَ اللهِ، أَرِقْتَ اللَّيْلَ؟ فَقَالَ: «إِنِّيْ كُنْتُ أَصَبْتُ تَمْرَةً تَحْتَ جَنْبِيْ، فَأَكَلْتُهَا، وَكَانَ عِنْدَنَا تَمْرٌ مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ، فَخَشِيْتُ أَنْ تَكُوْنَ مِنْهُ» (2) ."
هكذا الداعي، يجب أن يكون، يحصن نفسه، ويطهر قلبه، ويحاسب جوارحه: العين على ما ترى، والأذن على ما تسمع، واليد على ما امتدّت، والرجل على ما سعت، والبطن على ما حوت، بل يكون حارسا لخواطره، حذرا من إهمالها، والاسترسال معها، فإن أصل الفساد كله يكوه من قِبلها، ولذلك، فإن الرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لَا يَبْلُغُ الْعَبْدُ أَنْ يَكُوْنَ مِنَ الْمُتَّقِيْنَ حَتَّى يَدَعَ مَا لَا بَأْسَ بِهِ حَذَرًا مِمَّا بِهِ بَأْسٌ» (3) . ولذلك، لا بد للداعية من وقفة بين الفينة والفينة، يخلو فيها لنفسه، تتصل فيها روحه بالله - جلّ شأنه -، وتصفو فيها نفسه من كدورات الأخلاق الذميمة، والحياة المضطربة من حوله، ومثل هذه الخلوات تدعوه إلى محاسبة نفسه، إن قصرت في خير، أو زلّت في اتجاه، أو جانبتْ سبيل الحكمة، أو أخطأت في سبيلٍ أو منهج، أو طريق، أو انغمست مع الناس في الجدال، والنقاش، حتى أنْسَتْه تذكر الله والأنس به، وتذكر الآخرة، وجنتها، ونارها، والموت وغصصه وآلامه. ولذلك كان التهجد وقيام الليل فرضا في حق النبي - صلى الله عليه وسلم - مستحبا في حق غيره، وأولى الناس بالحرص على هذه النافلة هم الدعاة إلى الله وشريعته وجنته، وللخلوة والتهجد والقيام لله بالليل بالعبودية في أعقاب الليل لذة لا يدركها إلا من أكرمه الله بها، وقد كان إبراهيم بن أدهم - رحمه الله - يقول في أعقاب تهجده وعبادته:"نخن في لذة لو عرفها الملوك لقاتلونا عليها" (4) . وحسبنا قول الله - تبارك وتعالى - في خطاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم: {يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ. قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا} [المزمل: 1 - 2] إلى قوله: {إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا} [المزمل: 6] .
إن صلاح المؤمن هو أبلغ خطبة تدعو الناس إلى الإيمان، وخلقه الفاضل هو السحر الذي يجذب إليه الأفئدة، ويجمع عليه القلوب، ومن ثم، فإن الداعية الموفق الناجح الذي
(1) البخاري، كتاب اللقطة.
(2) كتاب الزهد، باب الورع، من كتاب: مَن الذي يغير المنكر وكيف؟، ص 46، للدكتور محمد محمود عمارة.
(3) أخرجه الترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي: حديث حسن غريب.
(4) السيرة النبوية دروس وعبر، للدكتور مصطفى السباعي، ص 46.