فهرس الكتاب

الصفحة 179 من 244

مُرٌّ، وقد تنقلب إلى فضيحة إن أسيئت، ومن واجبنا أن نجعل النصيحة خالصة لوجه الله، ومهذبة تسر بها في أذن من تريد نصيحته، فلقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أتى أحد في مجلسه شيئا منافيا يقول: ما بال أقوام يقولون كذا، ويفعلون كذا؟

ولأن الدعوة يقصد بها وجه الله، وهي الغاية، فلا بد وأن يكون للوسيلة من شرف الغاية ما ينأى بها عن التشهير والتنكيل بالعصاة مدفوعين بشهوات الانتقام والاستعلاء والرغبة في كشف المخبوء.

فليعلم الداعي إلى الله أن كسب القلوب أهم من كسب المواقف، فعليه أن يتحرى الأسلوب الأقوم، والتعبير الأكرم في إسداء النصح، فيسديه على انفراد؛ لأن ذلك أوقع في النفس، وأحوط من دخول الشيطان عليه، وصدق علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - حيث يقول:"النصح بين الملأ تقريع"، إن تخيّر الكلمة المناسبة، والوقت المناسب، لهو من توفيق الله بلا شك، فكم من كلمة لم يلق لها الداعي بالا، أورثت أحقادا وعداوات، وتسببت في انفصام العرى إلى الأبد، فليحاذر الداعي سقطات اللسان، وليذكر قول نبيّه - صلى الله عليه وسلم: «لَا يَسْتَقِيْمُ إِيْمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيْمَ قَلْبُهُ، وَلَا يَسْتَقِيْمَ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيْمَ لِسَانُهُ» (1) .

أخرج البيهقي عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: كنت مع عمر في حج أو عمرة، فإذا نحن براكب، فقال عمر: أرى هذا يطلبنا، فجاء الرجل، فبكى، قال: ما شأنك؟ إن كنت غارما أغناك، وإن كنت خائفا أمنّاك، إلا أن تكون قتلت نفسا فتقتل بها، وإن كنت كرهت جوار قوم حولناك عنهم، قال: إني شربت الخمر وأن أحد بني تميم، إن أبا موسى جلدني وسوّد وجهي وطاف بي في الناس، وقال: لا تجالسوه ولا تؤاكلوه، فحدثت نفسي بأحد ثلاث: إما أن أتخذ سيفا فأضرب به أبا موسى، وإما أن آتيك فتحولني إلى الشام، فإنهم لا يعرفونني، وإما أن ألحق بالعدو فآكل معهم وأشرب، فبكى عمر وقال: ما يسرّني أنك فعلت وإن لعمر كذا وكذا، وإني كنت لأشرب الناس لها في الجاهلية، وإنها ليست كالزنا. وكتب إلى أبي موسى: سلام عليك، أما بعد، فإن فلانا بن فلان أخبرني بكذا وكذا، وأيم الله، إني إن عدت، لأسوّدنّ وجهك، ولأطوفن بك في الناس، فإن أردت أن تعلم حق ما أقول لك، فعد، فأمر الناس أن يجالسوه ويؤاكلوه، فإن تاب فاقبلوا شهادته، وحمله، وأعطاه مائة درهم (2) .

تأمل فقه الدعوة - أيها الأخ المسلم - فإن القاضي يصدر الحكم، أما الداعي، فإنه يعين على تنفيذه وتطبيقه، ويحرص على المدعو من الشيطان حرصه على نفسه، أيّ فقه هذا الذي

(1) رواه أحمد.

(2) الكنز (3/ 105) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت