فهرس الكتاب

الصفحة 180 من 244

يعلمنا إياه عمر - رضي الله عنه وأرضاه - مع شارب خمر، ووالٍ من ولاة المسلمين، بل وصحابي جليل، يهدده، لأنه أساء الدعوة، وأعان الشيطان على مسلم، حتى جعله يفكر في قتله والتخلص منه، أو يلحق بأرض العدو، نتيجة التشهير به، والغلظة معه، وحق للإمام البخاري أن يعقّد قاعدة، يقول فيها:

"الإسرار بالنصيحة أولى من الإعلان، وقد يتعيّن إذا جرّ الإعلان إلى مفسدة" (1) . أي: قد يتعيّن الإسرار، لا من باب أولى، ولكن من باب الوجوب، إذا جرّ الإعلان إلى مفسدة.

وهاك موقف تربوي عالٍ نتعلمه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين يعالج أمرا من الأمور، ويأخذ بيد مسلم لمعالي الأمور، فعن عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - قال: كان الفضل رديف رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فجاءت امرأة من خثعم، فجعل الفضل ينظر إليها، وتنظر إليه، فجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر، فقالت: إن فريضة الله أدركت أبي شيخا كبيرا لا يثبت على راحلة، أفأحج عنه؟ قال: «نَعَمْ» ، وذلك في حجة الوداع. وكان الفضل رجلا وضيئا، والمرأة وضيئة، فأعجبه حسنها.

وفي رواية: فالتفت النبي - صلى الله عليه وسلم - والفضل ينظر إليها، فأخلف بيده بذقن الفضل، فدفع وجهه عن النظر إليها.

وفي رواية الطبري في حديث علي: وكان الفضل غلاما جميلا، فإذا جاءت الجارية من هذا الشق، صرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجه الفضل إلى الشق الآخر، فإذا جاءت إلى الشق الآخر صرف وجهه عنه .. وقال في آخره: «رَأَيْتُ غُلَامًا حَدَثًا، وَجَارِيَةً حَدَثَةً، فَخَشِيْتُ أَنْ يَدْخُلَ بَيْنَهُمَا الشَّيْطَانُ» .

وفي رواية أحمد وابن خزيمة عن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال للفضل حين غطّي وجهه يوم عرفة: «هَذَا يَوْمٌ مَنْ مَلَكَ فِيْهِ سَمْعَهُ، وَبَصَرَهُ، وَلِسَانَهُ، غُفِرَ لَهُ» (2) .

آه لو رأى ذلك بعض من يتصدّون للدعوة الآنن لأسرعوا بالحكم عليه، فهو عندهم الفاجر والعاصي، ولأمطروه بوابل من النصائح، أو إن شئت فقل: القذائف التي تهلكه أو تدفعه إلى طريق الغواية، ولا يعينونه على طريق الهداية، ألا، فتأمل قول الرسول وفعله: إشعار الفضل بالحرص عليه، والخوف عليه من الشيطان الذي يجري من ابن آدم مجرى الدم.

يا شباب، هذا فقه رسولكم، ومنهج نبيّكم، فهل لكم فيه أسوة حسنة؟ صدقت يا رسول الله - صلوات الله وسلامه عليك - حين قلت: «أفضل الناس أعقل الناس» ، وفيه: «أن الأحمق العابد يصيب بجهله أعظم من فجور الفاجر، وإنما يقرب من ربهم بالزلفى على قدر عقولهم» (3) .

(1) البخاري (1/ 79) حديث [27] .

(2) البخاري (4/ 76) حديث [185] .

(3) من كتاب: مؤتمر سورة يوسف (1/ 103) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت