الكريمة لتكون نبراسا يضيء له الطريق، ومقياسا يقيس به السلوك، فيتعرف على معالم طريقه، ويتغلب على صعابه، ويحدّد الغاية من السير فيه، ويبحث عن الوسائل السليمة للوصول إليها، وهو بهذا يعلن رضاءه بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد - صلى الله عليه وسلم - نبيًّا ورسولا، فيذوق بذلك للإيمان طمعا، ويجد في الطريق حلاوة، وللسير فيه عذوبة، فيفعل المأمور، ويترك المحظور، ويصبر على المقدور، ويدعو عشيرته الأقربين، وينصح من يعرف من المسلمين ورسوله في ذلك الأسوة، ومنهاجه القدوة، حكيما في دعوته، محسنا في موعظته، مجادلا بالتي هي أحسن ويقول للمجميع: خلوا بيني وبين الناس، سلاحه اللسان العفّ، والكلمة الطيبة، والخلق الحسن. ولا بد له أن يتحلّى أول ما يتحلّى بصفتين أساسيتين هما عماد دعوته وأساس منهجه، يراهما المدعو حياة يحياها الداعي، ويرددهما القاصي والداني، فلا يعرف إلا بهما، ولا ينادي إلا بكلتيهما، فقبل أن يدعوهم إلى ما هو عليه، ويبيّن لهم ما يحمله بين جنبيه، ويحاول إقناعهم بفكرته، وإيمانهم برسالته لا بد أن ينشئ بهاتين الصفتين قنطرة من خلالها يوصل ما يريد وبدونهما، فهو كالمنادي في وادٍ سحيق، فلا صوته يسمع، ولا نداؤه يعرف، هاتان الصفتان هما:
1 -الصدق.
2 -الأمانة.
صفتان تحققتا في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل أن يبعث إلى قومه أو يرسل إلى أمته، وشاء الله أن يمكث فيهم أربعين عاما يخالطهم ويجالسهم ويتعامل معهم: يتاجر فيهم، ويشتري منهم، ويتزوّج وينجب، ويلجأون إليه في أعوص المسائل وأشدّها تعقيدا، ويلوذون به ويستريحون لرأيه، ويثقفون في أمانته، حتى أنهم ما وجدوا مكانا يحفظون فيه ودائعهم وأماناتهم إلا بيته، ولقد ذكرهم بذلك بعد أن جحدوه فقال لهم بلسان القرآن: {فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [يونس: 16] ، فهما صفتان اعترف بهما ألدّ الأعداء، وعرفها فيه أشد الخصوم.
"أليس هو الصادق الأمين"كما عرفوه؟ وكما سمّوه؟
وليت الشباب المسلم، خاصة الذين يتصدّون للدعوة إلى الله يتنبّهون لذلك ويحققاهما في دنيا الواقع قبل أن يدعُوَا الناس لدين الله - فالدعوة بالحال أشد أثرا من الدعوة بالمقال - حتى إذا ما دعي الداعي إلى دين الله أو نادى"واصباحاه!"، وجد الجميع آذانا مصغية، وقلوبا واعية، وأفئدة محبّة. يهرعون إليه إليه لبيك لبيك، فإذا قال لهم: أرأيتم إن أخبرتكم أن خيلا تغير عليكم خلف هذا الوادي، أكنتم مصدّقي؟ قالوا: ما عهدنا عليك كذبا قط.
ذلك لأن الداعي إلى الله توفيقه مرتبط ارتباطا وثيقا، باقتدائه برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فهو لن يصل إلى قلوب العباد إلا بهذه القدوة الحسنة: صادقا في قوله، أمينا في فعله.