فهرس الكتاب

الصفحة 107 من 244

فليس للحنفي أن ينكر على الشافعي ما هو من مجاري الاجتهاد - أي: المسائل المختلف فيها بين الأئمة - إذ لا يعلم خطأ المخالف قطعا، بل ظنا، فلا بد أن يكون المنكر متفقا عليه، وكذا إنما ينكر على الفرق المبتدعة في خطئهم المعلوم على القطع، بخلاف الخطأ في نطاق الاجتهاد، كهيئات الصلاة، والقنوت، وقراءة القرآن في المسجد، والأذانين، والشرب وقوفا، والتبول وقوفا، والنقاب أم الحجاب، كل هذه المسائل ليس فيها أمر بمعروف ولا نهي عن منكر، لأنها خلافية.

وتعال واسمع ما قاله ابن القيم: إذ جعل إنكار المنكر أربع درجات، فأنت حين تفكر في التصدي للمنكر وإنكاره تحدث إحدى الاحتمالات الأربعة الآتية:

الأولى: أن يزول ويخلفه ضده.

الثانية: أن يقلّ وإن لم يزل بجملته.

الثالثة: أن يخلف ما هو مثله.

الرابعة: أن يخلفه ما هو شر منه.

فالدرجتان الأولى والثانية مشروعتان، والثالثة موضع اجتهاد، إما أن تزيله، وإما أن تتركه، والرابعة: محرمة، أي إنك إن فكرت في إزالة المنكر في هذه الحالة تكون آثما.

وعلى هذا، فإن رأيت أهل الفجور والفسوق يلعبون الشطرنج، كان إنكارهم عليهم من عدم الفقه والبصيرة، إلا إذا نقلتهم منه إلى ما هو أحب إلى الله ورسوله، وإذا رأيت الفساق قد اجتمعوا على لهو ولعب وسماع، فإن نقلتهم عنه إلى طاعة الله، فهو المراد، وإلا كان تركهم على ذلك خيرا من أن تفرغهم لما هو أعظم من ذلك، فكان ما هم فيه شاغلا لهم عن ذلك (1) .

"ولقد ذكر ابن القيم أن شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية مرّ في زمانه على جماعة من جنود التتار قد استغرقوا في شرب الخمر، فأنكر عليهم بعض أصحابه، فما كان منه إلا أن قال لهم: دعوهم في سكرهم ولهوهم، فإنما حرم الله الخمر لأنها تصدّ عن ذكر الله وعن الصلاة، وهؤلاء تصدّهم الخمر عن قتل الأنفس وسفك الدماء."

وهذا يتمشى مع قاعدة مقررة، وهي: السكوت على منكر ما، مخافة منكر أكبر، ارتكابا لأخف الضررين وأهون الشرّين" (2) ."

(1) أعلام الموقعين لابن القيم.

(2) مقالة حوار، الدكتور القرضاوي الاجتهاد والتجديد - مجلة الأمة، العدد الخامس والأربعون، السنة الرابعة 1404 هـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت