فهرس الكتاب

الصفحة 108 من 244

أي فقه للدعوة هذا؟ ذلك لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - حين علم أمته إيجاب إنكار المنكر، ليحصل بإنكاره من المعروف ما يحبه الله ورسوله، فإذا كان إنكار المنكر يستلزم ما هو أنكر منه، وأبغض إلى الله ورسوله، فإنه لا يسوغ إنكاره، وإن كان الله يبغضه ويمقت أهله.

وقد استأذن الصحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قتال الأمراء الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها، وقالوا: أفلا نقاتلهم؟ فقال: «لَا، مَا أَقَامُوا الصَّلَاةَ» ، وقال: «مَنْ رَأَى مِنْ أَمِيْرِهِ مَا يَكْرَهُهُ، فَلْيَصْبِرْ، وَلَا يَنْزَعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَتِهِ» (1) .

ومن تأمل ما جرى على الإسلام من الفتن الكبار والصغار رآها في إضاعته هذا الأصل، وعدم الصبر على منكر، فطلب إزالته، فتولد منه ما هو أكبر منه، فقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرى بمكة أكبر المنكرات، حانات الخمر، وبيوت الدعارة، وستون وثلاثمائة صنم في جوف الكعبة، والنساء يطفن عرايا، فما امتدت يده إلى صنم يحطمه، ولا إلى حانة ينسفها، إنما دعا إلى ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، بل لما فتح الله مكة، وصارت دار إسلام، عزم على تغيير البيت وردّه إلى قواعد إبراهيم، ولكنه لم يفعل مع قدرته على ذلك، خشية وقوع ما هو أعظم منه، وعدم احتمال قريش لذلك، لقرب عهدهم بالإسلام، وكونهم حديثي عهد بكفر.

ومن هذا الباب أيضا، أنه - صلى الله عليه وسلم - نهى أن تقطع الأيدي في الغزو، فهذا حد من حدود الله تعالى، وقد نهى عن إقامته في الغزو، خشية أن يترتب عليه ما هو أبغض إلى الله من تعطيله أو تأخيره من لحوق صاحبه بالمشركين حمية أو غضبا، كما قال عمر وأبو الدرداء وحذيفة - رضوان الله على الجميع -.

وقد نص أحمد وإسحاق بن راهويه والأوزاعي وغيرهم من علماء الإسلام: على أن الحدود لا تقام في أرض العدو، ولذلك، لما أتى بشر بن أرطاة برجل من الغزاة قد سرق مجنة، فقال: لولا أني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لَا تُقْطَعُ الْأَيْدِيْ فِي الْغَزْوِ» (2) لقطعت يدك.

وكتب عمر إلى الناس أن لا يجلدن أمير جيش ولا سرية ولا رجل من المسلمين حدا وهو غاز حتى يقطع الدرب قافلا، لئلا تلحقه حمية الشيطان فيلحق بالكفار، وعن أبي الدرداء مثل ذلك.

وقال علقمة: كنا في جيش في أرض الروم، ومعنا حذيفة بن اليمان، وعلينا الوليد بن عتبة، فشرب الخمر، فأردنا أن نحدّه، فقال حذيفة: أتحدّون أميركم وقد دنوتم من عدوكم فيطمعوا فيكم.

(1) من الذي يغير المنكر وكيف؟ للدكتور محمود محمد عمارة، ص 7.

(2) رواه أبو داود.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت