فهرس الكتاب

الصفحة 109 من 244

ولذلك قعّد ابن القيم قاعدة:"تأخير الحد لعارض أمرٌ وردت به الشريعة، كما يؤخر عن الحامل والمرضع، وعن وقت الحر والبرد والمرض، فهذا تأخير لمصلحة المحدود، فتأخيره لمصلحة الإسلام أولى."

والأمثلة التي تبين أن العبرة ليست بظاهر النص، إنما بإعماله بفقه، كثيرةٌ، وهذا هو نهج السلف الصالح ومن تبعهم بإحسان، وهاك قاعدة أخرى فقّهني الله وإياك"."

لا يجوز الإتيان بفعل يكون وسيلة إلى حرام، وإن كان هذا الفعل جائزا:

فلقد نهى الله - سبحانه وتعالى - المؤمنين في مكة عن الانتصار باليد، وأمرهم بالعفو والصفح، لئلا يكون انتصارهم ذريعة إلى وقوع ما هو أعظم مفسدة من مفسدة الإغضاء واحتمال الضيم، ومصلحة حفظ نفوسهم ودينهم وذريتهم راجحة على مصلحة الانتصار والمقاتلة.

كذلك كفّ - صلى الله عليه وسلم - عن قتل المنافقين مع كونه مصلحة، لئلا يكون ذريعة إلى تنفير الناس عنه، وقولهم: إن محمدا - صلى الله عليه وسلم - يقتل أصحابه، ومفسدة التنفير أكبر من مفسدة ترك قتلهم، ومصلحة التأليف أعظم من مصلحة القتل.

ولقد نهى المولى المؤمنين أن يسبوا آلهة الكافرين، مع كون السبّ غيظا وحمية لله وإهانة آلهتهم، فقال: {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام: 108] . لكون ذلك ذريعة إلى سبّهم لله تعالى، فكانت مصلحة ترك مسبّته تعالى أرجح من مصلحة سب آلتهم، وهذا تصريح بالمنع من الجائز، لئلا يكون سببا في فعل ما لا يجوز.

بل أكثر من هذا، فإن الله أمر موسى وهارون أن يَلِيْنَا لفرعون القولَ، وهو أعظم أعداء الله وأشدهم كفرا، وأعتاهم عليه، وذلك لئلا يكون إغلاظ القول له - مع أنه حقيق به - ذريعةً إلى تنفيره وعدم صبره لقيام الحجة، فقال: {اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى. فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [طه: 43 - 44] ، فنهاهما عن الجائز، لئلا يترتب عليه ما هو أكره إليه تعالى.

ومن هذا الباب، منع المولى - سبحانه - للرسول - صلى الله عليه وسلم - من الجهر بالقرآن في مكة، حيث كان المشركون يسمعون، فربما يسبون القرآن، ومن أنزله، ومن جاء به، ومن أنزل عليه ...

وأزيدك قاعدة:

جواز تقديم المصلحة الراجحة على المفسدة الخفيفة

حدثنا إسماعيل بن أبي أويس بسنده عن عبد الله بن عباس قال: أقبلت راكبا على حمار أتان (الأنثى) ، وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام - ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بمنى إلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت