جدار، فمررت بين يدي بعض الصف، وأرسلت الأتان يرتع، فدخلت في الصف، فلم يُنكر ذلك عليّ" (1) ."
قال الشارح: مرور ابن عباس فيه جواز تقديم المصلحة الراجحة على المفسدة الخفيفة، لأن المرور مفسدة خفيفة، والدخول في الصلاة مصلحة راجحة.
واستدل ابن عباس على الجواز بعدم الإنكار، لانتفاء الموانع إذ ذاك، ولا يقال: منع من الإنكار اشتغالهم بالصلاة، لأنه نفي الإنكار - يقصد ابن عباس - مطلقا، فتناول ما بعد الصلاة، وأيضا لأن الإنكار يمكن أن يكون بالإشارة، وهذا لم يحدث.
وتدبر هذا الموقف الذي حدث من صحابي جليل هو عبد الله بن مسعود وهو يشاهد منكرا عظيما، وجرما كبيرا - هو إيذاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من عتاة المشركين، فما استطاع أن يغير ذا المنكر، لا بالقول، ولا بالفعل، فاسمع إليه:
فعن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي عِنْدَ البَيْتِ، وَأَبُو جَهْلٍ وَأَصْحَابٌ لَهُ جُلُوسٌ، إِذْ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: أَيُّكُمْ يَجِيءُ بِسَلَى جَزُورِ بَنِي فُلاَنٍ، فَيَضَعُهُ عَلَى ظَهْرِ مُحَمَّدٍ إِذَا سَجَدَ؟ فَانْبَعَثَ أَشْقَى القَوْمِ فَجَاءَ بِهِ، فَنَظَرَ حَتَّى إِذَا سَجَدَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَضَعَهُ عَلَى ظَهْرِهِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، وَأَنَا أَنْظُرُ لاَ أُغْنِي شَيْئًا، لَوْ كَانَ لِي مَنَعَةٌ، قَالَ: فَجَعَلُوا يَضْحَكُونَ، وَيُحِيلُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَاجِدٌ لاَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ، حَتَّى جَاءَتْ فَاطِمَةُ، فَطَرَحَتْ عَنْ ظَهْرِهِ، فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأْسَهُ ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ» . ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، فَشَقَّ عَلَيْهِمْ إِذْ دَعَا عَلَيْهِمْ، قَالَ: وَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ الدَّعْوَةَ فِي ذَلِكَ البَلَدِ مُسْتَجَابَةٌ، ثُمَّ سَمَّى: «اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِأَبِي جَهْلٍ، وَعَلَيْكَ بِعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَالوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ، وَأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَعُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ» - وَعَدَّ السَّابِعَ فَلَمْ نَحْفَظْهُ، قَالَ: فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ رَأَيْتُ الَّذِينَ عَدَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَرْعَى، فِي القَلِيبِ: قَلِيبِ بَدْرٍ (متفق عليه) .
قال الشارح: كف ابن مسعود عن القوم وهو يشاهد ما فُعل بالنبي - صلى الله عليه وسلم - فلا هو زجرهم باللسان، ولا باليد، ولا حتى قام وأزال ما على الرسول - صلى الله عليه وسلم -، لكنه صمت، لأنه ليس له منعة، فما لامه أحد.
وهذه قاعدة سد الذرائع
والذريعة هي الوسيلة، فإذا كانت موصلة إلى مفسدة، كانت حراما، وإذا أفضت إلى الحلال، كانت حلالا، فالنظر إلى أجنبية حرام، لأنه وسيلة إلى الزنا الحرام، والسعي إلى البيت الحرام يفضي إلى الحج، وتكون الوسيلة واجبة.
(1) البخاري (1/ 171) ، باب متى يصح سماع الصغير؟