يقول الإمام القرافي: واعلم أن الذريعة كما يجب سدّها، يجب فتحها، وتكره، وتندب، وتباح.
ومن الذرائع ما لا يختلف فيها، سواء في سدّها أو فتحها، كحفر الآبار في طريق المسلمين، لأنه وسيلة إلى هلاكهم، وسب الأصنام عند من يعلم من حاله أنه يسب الله تعالى، فهذه يجب سدّها.
أما التي يختلف فيها، مثل أن يحكم القاضي بعلمه بين الخصوم، وليس بما يتوفر إليه من الأدلة، فاختلفوا: هل يحرم القضاء بالعلم من القضاة السوء، لأنه وسيلة إلى الحكم بالباطل منهم أو لا يحرم.
ولذلك، وجب على الداعي معرفة شروط وأقسام الذرائع المتفق عليها والمختلف فيها.
خلاصة القول
هناك كثير من الأحكام التي تتغير بتغير الأزمان، وكثير من الظروف تؤثر في طبيعة الفتوى، ومن ثم قال فقهاؤها:"الفتوى تقدر زمانا ومكانا وشخصا".
ولقد رأينا إماما جليلا كالإمام الشافعي - رضوان الله عليه - حين كان في العراق أنشأ مذهبا فقهيا، فلما ذهب إلى مصر، أنشأ مذهبا آخر، وأصبحنا نسمع عن رأيه في المسألة قديما وحديثا: أي حين كان في العراق، ولما أصبح في مصر، فالإمام واحد، والفتيا اختلفت باختلاف الزمان والمكان والأشخاص.
ونحن في مجتمع الآن، وفي عصر له خصائصه وطبيعته ومواصفاته وتقعيداته، فضلا عن أن المسلمين أنفسهم تفرقوا واختلفوا، وضعف الإسلام في نفوس كثير من أتباعه، ومن ثم كانت قضية الدعوة إلى الإسلام لا بد أن تخضع لأحكام الفقه وأصوله، حتى يضبط السير إلى الله بالقواعد والأصول، وليس بالهوى والظن.
وأنت تلاحظ في زماننا هذا من أحيا كليات الإسلام وجزئياته، لأن الإسلام عنده كلٌ متكاملٌ، فهو لا يفرط في كلية، ولا يتهاون في جزئية، فكلٌ من عند الله.
بينما نجد من يؤمنون بالكليات، ويهملون الجزئيات، وربما إذا عرضت عليهم، أنكروها. وفرق كبير بين أن تبدأ بالكليات، ثم تردفها بالجزئيات، وبين إهمال الجزئيات أو إنكارها، ولنا في قاعدة:"تأخير البيان عن وقت الحاجة"مندوحة، مع مراعاة أنه لا يجوز تأخيره إلا لظروف وقتية يراها الداعي.
وبعض الناس يفرقون في فروع المسائل العملية، وتغيب عنهم الكليات الكبرى في هذا