الدين. فسقوط الخلافة لا يشعرون به، وعدم تحكيم الشريعة لا يشغ بالهم، وسفك دماء المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها لا يعنيهم، فتراهم مشغولين بحكم دم البرغوث، ولا يشغلهم دماء المسلمين تسيل.
لذلك، كان لا بد من إحياء المفاهيم الكبرى، والبديهيات العظمى، وفي نفس الوقت، لا نهمل الجزئيات، بل يجب التعرف على المسائل الفرعية، ولكن نبين ما هو أصل لا يسع الاختلاف فيه، وما هو فرع يمكن الاختلاف فيه، وحدود هذا الاختلاف، ومتى يجوز؟ والأدب الجامع في كل مسألة وفي كل مقام.
وهكذا، فإن المسلم المتفقه في دينه يعلم أن مجموع ما قاله الأئمة المجتهدون مما استنبطوه من الكتاب والسنة، وما يمكن أن يستنبط على أصولهم من أحكام إلى قيام الساعة يعتبر من الشريعة الإسلامية، فهو جزء منا، ومجموع الأقوال في المسألة الواحدة عندهم يضع أمام المسلم خيارات كثيرة، وبذلك لا نختلف في الآراء المتعددة للأئمة على سبيل المثال: قضية القنوت، هل هو بعد الوتر؟ أم بعد الفجر؟ أو في رمضان؟ أم في النوازل؟ وقس على ذلك الأمور المختلف فيها جميعا، فمن رحمة الله على الأمة المسلمة هذا الخلاف الذي يسع الزمان والمكان والأشخاص.
لو أخذ الداعي بحكم من الأحكام المختلف فيها، واختار رأيا يجذب به الآخرين إلى الإسلام تيسيرا لهم، طالما هذا الحكم لا يتعارض مع شريعتنا ولا يعطلها، فهذا من فقه الدعوة، وكم من أمور فقهية الداعي في حاجة لفهمها والعمل بها، فهل فقه الدااعي ما فعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم فتح مكة حين ترك البيت الحرام على ما هو عليه كما أخبرتنا بقوله - صلى الله عليه وسلم - عائشة - رضوان الله عليها: «لَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيْثُوْ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ، لَهَدَمْتُ الْبَيْتَ، وَبَنَيْتُهُ عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيْمَ» .
بهذه القواعد الأصولية، يستطيع الداعي أن يتصرف حسب الموقف الذي يقابله بما عنده من فقه، فيختار الرأي السائغ شرعا إذا كان محققا لأهداف كبرى، ومكافئا لأسلحة الخصوم، حتى لا يترك لهم مننفذا، وحتى يتحلى بسعة الصدر، ودقة الفهم، طالما أن أهدافه إسلامية، ووسائله إسلامية، وخطته إسلامية، ومناهجه إسلامية، وقواعده إسلامية.
هذا هو الفهم السليم الذي نتعلمه من فقهاء الأمة وعلمائها، نعم، قد تتغير بعص الأحكام بتغير الأزمان، ولكن هذا التغيير ليس على إطلاقه، أو كما يتصور من لا فقه عنده أن هذا مداهنة وممالأة، وكيف يكون كذلك طالما أن هذا التغير محكوم بقواعد التغيير على ضوء الأصول الإسلامية نفسها.