تعالى: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [البقرة: 44] .
يقول صاحب الظلال الشهيد سيد قطب في هذه الآية:"إن آفة رجال الدين - حين يصبح الدين حرفة وصناعة لا عقيدة حارة دافعة - أنهم يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم يأمرون بالخير ولا يفعلونه ويدعون إلى البر ويهملونه ويحرفون الكلم عن مواضعه ويؤولون النصوص القاطعة خدمة للغرض والهوى، ويجدون فتاوى وتأويلات قد تتفق في ظاهرها مع ظاهر النصوص، ولكنها تختلف في حقيقتها عن حقيقة الدين، لتبرير أغراض وأهواء لمن يملكون المال أو السلطان! كما كان يفعل أحبار يهود!"
والدعوة إلى البر والمخالفة عنه في سلوك الداعين إليه، هي الآفة التي تصيب النفوس بالشك لا في الدعاة وحدهم ولكن في الدعوات ذاتها. وهي التي تبلبل قلوب الناس وأفكارهم، لأنهم يسمعون قولا جميلا، ويشهدون فعلا قبيحا فتتملكهم الحيرة بين القول والفعل وتخبو في أرواحهم الشعلة التي توقدها العقيدة وينطفئ في قلوبهم النور الذي يشعه الإيمان ولا يعودون يثقون في الدين بعد ما فقدوا ثقتهم برجال الدين.
إن الكلمة لتنبعث ميتة، وتصل هامدة، مهما تكن طنانة رنانة متحمسة، إذا هي لم تنبعث من قلب يؤمن بها. ولن يؤمن إنسان بما يقول حقا إلا أن يستحيل هو ترجمة حية لما يقول، وتجسيما واقعيا لما ينطق .. عندئذ يؤمن الناس، ويثق الناس، ولو لم يكن في تلك الكلمة طنين ولا بريق .. إنها حينئذ تستمد قوتها من واقعها لا من رنينها وتستمد جمالها من صدقها لا من بريقها .. إنها تستحيل يومئذ دفعة حياة، لأنها منبثقة من حياة". (1) "
ولا يمكن للداعي أن يكون قدوة وأسوة فيما يقول، وأن يكون قرآنا يتحرك إلا إذا وثق صلته بالله، واستعد منه العون وأصبحت: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} هي منهاجه ونبراسه، حينئذ يهديه الصراط المستقيم ويعينه على لأواء الطريق، فيرى فيه الناس صدق ما يقول، فيفتح الله به قلوبا غلفا، وأعينا عميا، وآذانا صما.
وقال الشاعر:
يا أيها الرجل المعلّم غيره ÷ هلا لنفسك كان ذا التعليم
تصف الدواء لذي السقام وذي الضنى ÷ كيما يصح به وأنت سقيم
ابدأ بنفسك فانهها عن غيّها ÷ فإذا انتهت عنه فأنت حكيم
فهناك يقبل إن وعظت ويقتدى ÷ بالرأي منك وينفع التعليم
(1) في ظلال القرآن (1/ 68) .