طبيعة النفس الإنسانية طبيعة مزدوجة، فيها الخير، وفيها الشر: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا. فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا. قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا. وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس: 7 - 10] .
بل يجب على الداعي وهو يتحدث إلى من يدعوه ألا يبرئ نفسه عن الخطأ، يقول الأصمعي: بلغني أن بعض الحكماء كان يقول:"إني لأعظكم وأنا كثير الذنوب مسرف على نفسي غير حامد لها، ولا حاملها على المكروه في طاعة الله - عزّ وجلّ - قد يلوثها، فلم أجد لها شكرا في الرخاء، ولا صبرا على البلاء."
ولو أن المرء لا يعظ أخاه حتى يحكم أمر نفسه، لَتُرِك الأمر بالخير والنهي عن المنكر، ولكن محادثة الإخوان حياة للقلوب، وجلاء للنفوس، وتذكير من النسيان.
ثم قال: واعلموا أن الدنيا سرورها أحزان، وإقبالها إدبار، وآخر حياتها الموت، فكم من مستقبل يوما لا يستكمله، ومنتظر غذا لا يبلغه، ولو تنظرون إلى الأجل ومسيره لأبغضتم الأمل وغروره .. (1) .
أي حكيم هذا الذي يشعر المدعو أولا بأنه بشر مثله يصيب ويخطئ، غير أن الدين النصيحة: لله، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم، وإلا ترك الناس الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ثم بعد هذا الترغيب، يبدأ في تعريفهم بحقيقة الدنيا وجواذبها، حتى يصرفهم عن التعلق بها، لأنها فانية، العمل لللآخرة، لأنها الباقية.
وخلاصة القول: إن النفس كما تقاد عن طريق الرغبة، تقاد عن طريق الرهبة، فتكف عن الرذيلة خوفا مما يعقبها من منغصات، أو تندفع إلى الفضيلة خوفا من مغبة التراخي والتفريط، قال يحيى بن معاذ: مسكين ابن آدم لو خاف من النار كما يخاف الفقر، لدخل الجنة.
ونحن لا نهوّن من الترهيب، ولكن لا نحب للداعي أن يفرط فيه، وعليه أن يتخير الترغيب أو الترهيب حسب ما يرى، وحسب حال المدعو، فهو يتخير المناسب منهما للحال التي يعالجها، فإن الكلمة الرقيقة قد تجدي مع قوم ولا تجدي مع آخرين.
إن التخويف بالعقوبة والتلويح بالمكافأة أمران لا بأس بهما في مجال التربية، ولا بأس أن تبدأ بالترغيب لتوقظ العقل الغافل، وتستثير الهمة أولا وتأمله فيما عند الله، وتبشره بما ينتظره من مثوبة، وتذكره بعد ذلك بمصير العصاة: {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ. إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء: 88 - 89] ، وهكذا تكون قد تعاملت مع الفطرة، فلم تصطدم بها، ولكن روضتها وعالجتها، فتعود إلى ما جبلها الله عليه لتستقيم على نهجه، «فَلَأَنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيْهَا»
(1) كتاب:"مع الله"للشيخ محمد الغزالي، ص 10 - 11.