دراسات في التفسير الموضوعى للقصص القرآنى، ص: 328
الوقوع في الظلم، وإن كان الحاكم لا بد أن يكون مدركا للحق، فلا بد من عنصر العلم، وإبعاد الهوى.
واقرأ قصة داود- عليه السلام- الذى أعطاه اللّه الملك والحكمة ..
وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ .. الآيات. هنا نجد القصة عن نبى اللّه داود- عليه السلام. تتضمن ثلاثة أمور، في التنبيه على كل واحدة منها، تنبيه إلى أمثل الطرق للوصول إلى العدل في الأحكام.
أولها: أنه سبق إلى الحكم من غير أن يستمع إلى كلام الخصم، فقضى لأحد الخصمين، قبل أن يستمع إلى كلام الآخر، فإن ذلك مدرجة في الظلم، بل قد يكون ظلما.
ثانيا: أنه لم يكتف بالحكم في القضية المعروضة، بل عمم الحكم، والقضاء يكون في القضية المدروسة، ولا يتجاوزها.
الأمر الثالث: وهو يفصل التفرقة بين الحكم الظالم، والحكم العادل- أن الحكم العادل لا يكون بالهوى والشهوة، وأما الحكم الظالم فإنه يكون تحت سلطان الهوى والشهوة، وأن الملوك والحكام المستبدين يكون مصدر شرهم أهواؤهم. فهم يتبعون أهواءهم فيما يحكمون به، وما ينزلونه بالناس، فهم يسنون النظم تبعا لأهوائهم، ويطبقونها تبعا لأهوائهم ويجعلون شيعتهم تسارع إلى تنفيذ أهوائهم، ولا يفهمون المصلحة إلا تابعة لأهوائهم، فإذا نهى اللّه تعالى نبيه داوود عن اتباع الهوى، وهو خليفة حاكم، فإنما نهاه عما يؤدى إلى فساد الحكم.
وبهذا يتبين أن حكم الهوى كان مصدر فساد الحكم في الماضى، كما هو مصدر الفساد في كل الأزمان، وذكر ذلك في قصة من قصص القرآن، يزيد المبدأ تبيينا وتأكيدا. وقد بيّنا أن ذكر أى أمر في قصته يجعله يسرى في النفوس، ويدخل إلى الضمائر إن كان فيها استعداد للحق.