دراسات في التفسير الموضوعى للقصص القرآنى، ص: 337
قال ابن كثير: عرفت أنها ستبلى وتمتحن بهذا المولود، فتمنت الموت، لأنها عرفت أن الناس لا يصدقونها في خبرها، وبعد ما كانت عندهم عابدة ناسكة، تصبح عاهرة زانية، ولذلك قالت ما قالت. فَناداها مِنْ تَحْتِها قال مجاهد: عيسى ابن مريم. وقال الحسن: هو ابنها. قال: أو لم تسمع اللّه يقول: فَأَشارَتْ إِلَيْهِ.
وكلّم أهله وقومه ليدفع عن أمه الفرية، ويظهر المقدرة الربانية:
فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ، قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا، يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا. فَأَشارَتْ إِلَيْهِ- قالُوا: كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا، قالَ: إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ، آتانِيَ الْكِتابَ، وَجَعَلَنِي نَبِيًّا، وَجَعَلَنِي مُبارَكًا أَيْنَ ما كُنْتُ، وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا، وَبَرًّا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا، وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ، وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا [مريم: 27 - 33]
أى أتت به قومها بعد أن طهرت من النفاس، تحمل ولدها عيسى على يديها، فلما رأوها وابنها أعظموا أمرها واستنكروه، وقالوا لها: لقد جئت شيئا عظيما منكرا، فَأَشارَتْ إِلَيْهِ أى لم تجبهم، وأشارت إلى عيسى ليكلموه ويسألوه، فقالوا متعجبين: كيف نكلم طفلا رضيعا، لا يزال يغتذى بلبان أمه.
قال الرازى: روى أنه كان يرضع، فلما سمع ذلك ترك الرضاع، وأقبل عليهم بوجهه وكلمهم، ثم لم يتكلم حتى بلغ مبلغا يتكلم فيه الصبيان.