دراسات في التفسير الموضوعى للقصص القرآنى، ص: 343
* والرسالة ميثاق من اللّه: يأخذه على رسوله بتبليغ رسالته، والدفاع عنها، ليسألهم عن ذلك يوم القيامة. وقد أخذ اللّه على عيسى عهدا، كما أخذه على الأنبياء من قبله.
يقول تعالى: وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ، وَمِنْ نُوحٍ، وَإِبْراهِيمَ، وَمُوسى، وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقًا غَلِيظًا. لِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ، وَأَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا أَلِيمًا [الأحزاب: 7، 8]
وَلقد أوتى عيسى الرسالة، وأمر بالتبليغ، وكانت الرسالة هى الآية الثانية لعيسى- عليه السلام. وقد قام بتبليغ ما كلّف به، فكانت المشاكل التى صادفها كل الأنبياء السابقين مع أقوامهم، حين دعوهم إلى الإيمان. ولن يبلغ الإيمان ذروته- في قلب نبى أو رسول- ما لم يناضل، ويجاهد في سبيل رسالته ودعوته. وكان عيسى من هؤلاء الأنبياء المناضلين المجاهدين في سبيل دعوة اللّه، والإيمان به. وفى ذلك يقول القرآن:
وَلَمَّا جاءَ عِيسى بِالْبَيِّناتِ قالَ: قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ. إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ، هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ. فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ [الزخرف: 63 - 65]
ودعا عيسى- عليه السلام- الحواريين والأنصار ليكونوا معه عنصر تأييد وقوة، لينتصر بهم في دعوته: كما قال القرآن:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ اللَّهِ- كَما قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ: مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ: نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ. فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ، وَكَفَرَتْ طائِفَةٌ، فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ، فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ [الصف: 14]
ولكن دعوته مرّت بنفس التجربة، التى مرت بها دعوة الرسل من قبله، فقد أخذوا يجادلون في آيات اللّه. ولم يكن ذلك الجدل من أجل المعرفة،