دراسات في التفسير الموضوعى للقصص القرآنى، ص: 376
* أما المشهد الثانى: فهو بعثهم أحياء، وقد اختلف الناس في أمر المدة التى استمروها في الكهف، وقد مرت الأجيال، وهم يحسبون أنهم أيقاظ، فقد استمروا كما ذكر القرآن ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا.
ويجيئ بعد البعث الكلام في المدة التى مكثوها، والسبب في اختيارهم مأواهم. فقصّ اللّه خبرهم بالحق تفصيلا، بعد أن ذكره إجمالا، لقد قاموا من نومهم، وهم يرددون إيمانهم باللّه تعالى، واعتراضهم على أقوامهم، ويحكون ما كان منهم مع أقوامهم: هؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْ لا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ، وأن قومهم اعتزلوهم، وهم لا يعبدون إلّا اللّه تعالى.
ونرى الصورة القصصية واضحة بيّنة، هادية مرشدة، تصور الملاحاة بينهم وبين أقوامهم، حتى اعتزلوهم معتصمين بربهم مؤمنين به، وهذا المشهد كل أجزائه واضحة، حتى إنه يصور الكهف ومن فيه، وخرجوا منه في مشهد واضح بيّن، هو كالعيان بتصوير القرآن الكريم.
* والمشهد الثالث: هو منظرهم داخل الكهف، وهم رقود، وحال الكهف وصورته ..
فهم في فجوة منه، يتجهون فيه إلى الشمال والشمس تخرج لهم من الشرق يمينا، وتودع الكون في غربهم، فالشمس والهواء يحيطان بهم، وذلك أصلح مكان، إذ يستقبل الشمس في غدوها طالعة وفى غروبها رائحة، والهواء من البحر يجيئ إليهم فينعشهم نسيمه العليل.
فأسباب الحياة الطيبة قائمة ومهيأة لهم وهم رقود، وإن كان الرائى يحسبهم أيقاظا. والوصف القصصى مصورا للمكان، كأن القارئ للقرآن يراه، وهو يتلو كتاب اللّه تعالى.