دراسات في التفسير الموضوعى للقصص القرآنى، ص: 9
وفى القصة تكون حكمة شرعيتها قائمة، والغاية منها ثابتة، ولنذكر من ذلك قصة قابيل وهابيل ولدى آدم.
وَلقد امتاز القرآن الكريم، بأنه حين يعرض لموضوعاته، يعرض لها بطريقة لم يسبق إليها، فلا يستطيع أن يسلكها سالك، أو أن ينتهجها ناهج. فهو في عرضه يتخذ له أسلوبا يختص به، أعجز الإنس والجن عن معارضته، فتراه حين يعرض. يأتى بوجوه متعددة، وأساليب متنوعة، وأفانين متجددة، يراعى المقام في كل موقف من مواقفه، ويطابق جميع مقتضيات الحال في كل عبارة من عباراته، فله في كل مقام مقال. وفى كل موضوع مجال، طرق في الأداء لا عهد للبشر بها في أبلغ كلام، ولا مثيل لها في أفصح بيان، غاية في البلاغة، ليس لها نهاية، ونهاية في الفصاحة. لا يجاوز الفصحاء مبتداها. ثم هو فيما يعرضه من موضوعات شتى، خاصة في القصص القرآنى، لا يهمل جانب النظر، ولا يغضّ من شأنه، بل يحث عليه، ويدعو إليه، ويتحاكم إلى العقول، في كشف الحق، وبيان الصدق، يشفع حكمه ببيان حكمته، وتوجيه شرعته، ثم يدع للسامع الحرية، وحسن الاختيار، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.
وإن تعجب فعجب عرضه للموضوع الواحد، ذى المعنى المتحد، والهدف المشترك، فإنك تجده مع تفرّقه في القرآن في أماكن عدة، ومع تباعد أوقات نزوله، وتباين أزمان وصوله، ليس بين آياته مفارقة، ولا تلفيق، ولا تشويه، ولا تناقض، بل هى وحدة واحدة، مترابطة متناسقة، تكون لنا صورة واحدة، في أحسن تقويم، وتعطينا منظرا متآلفا في أبدع تنظيم، وتصور لنا كائنا متناسق الأعضاء، مترابط الأجزاء، متكامل البناء، جيد السبك، قوى المعنى،