أيا عين فابكي سيد القوم واسفحي ... بدمع وإن أنزفته فاسكبي الدما
وبكي عظيم المشعرين كليهما ... على الناس معروفا له ما تكلما
فلو كان مجد يخلد الدهر واحدًا ... من الناس أبقى مجده اليوم مطعما
أجرت رسول الله منهم فأصبحوا ... عبيدك ما لي مهل وأحرما
فلو سئلت عنه معد بأسرها ... وقحطان أو باقي بقية جرهما
لقالوا هو الموفى بخفرة جاره ... وذمته يومًا إذا ما تذمما
فما تطلع الشمس المنيرة فوقهم ... على مثله فيهم أعز وأعظما
وآبى إذا يأبي وألين شيمة ... وأنوم عن جار إذا الليل أظلما
قال بن هشام قوله كليهما عن غير بن إسحاق.
قال بن هشام وأما قوله أجرت رسول الله منهم فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما انصرف عن أهل الطائف ولم يجيبوه إلى ما دعاهم إليه من تصديقه ونصرته صار إلى حراء ثم بعث إلى الأخنس بن شريق ليجيره فقال أنا حليف والحليف لا يجير فبعث إلى سهيل بن عمرو فقال إن بني عامر لا تجير على بني كعب فبعث إلى المطعم بن عدي فأجابه إلى ذلك ثم تسلح المطعم وأهل بيته وخرجوا حتى أتوا المسجد ثم بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أدخل فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فطاف بالبيت وصلى عنده ثم انصرف إلى منزله فذلك الذي يعنى حسان بن ثابت .
قال بن إسحاق وقال حسان بن ثابت الأنصاري أيضا يمدح هشام بن عمرو لقيامه في الصحيفة:
هل يوفين بنو أمية ذمة ... عقدًا كما أوفى جوار هشام
من معشر لا يغدرون بجارهم ... للحارث بن حبيب بن سخام
وإذا بنو حسل أجاروا ذمة ... أوفوا وأدوا جارهم بسلام
وكان هشام أحد سُحام . قال بن هشام ويقال سخام .
قال بن إسحاق وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما يرى من قومه يبذل لهم النصيحة ويدعوهم إلى النجاة مما هم فيه وجعلت قريش حين منعه الله منهم يحذرونه الناس ومن قدم عليهم من العرب .
وكان الطفيل بن عمرو الدوسي يحدث أنه قدم مكة ورسول الله صلى الله عليه وسلم بها فمشى إليه رجال من قريش وكان الطفيل رجلًا شريفا شاعرًا لبيبا فقالوا له يا طفيل إنك قدمت بلادنا وهذا الرجل الذي بين اظهرنا قد اعضل بنا وقد فرق جماعتنا وشتت أمرنا وإنما قوله كالسحر يفرق بين الرجل وبين أبيه وبين الرجل وبين أخيه وبين الرجل وبين زوجته وإنا نخشى عليك وعلى قومك ما قد دخل علينا فلا تكلمنه ولا تسمعن منه شيئًا.
قال فوالله ما زالوا بي حتى اجمعت أن لا أسمع منه شيئًا ولا أكلمه حتى حشوت في أذني حين غدوت إلى المسجد كرسفا فرقا من أن يبلغني شيء من قوله وأنا لا أريد أن أسمعه قال فغدوت إلى المسجد فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي عند الكعبة قال فقمت منه قريبا فأبى الله إلا أن يسمعني بعض قوله قال فسمعت كلاما حسنا قال فقلت في نفسي واثكل أمي والله إني لرجل لبيب شاعر ما يخفي علي الحسن من القبيح فما يمنعني أن اسمع من هذا الرجل ما يقول فإن كان الذي يأتي به حسنا قبلته وإن كان قبيحا تركته.
قال فمكثت حتى انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيته فاتبعته حتى إذا دخل بيته دخلت عليه فقلت يا محمد إن قومك قد قالوا لي كذا وكذا للذي قالوا فو الله ما برحوا يخوفونني أمرك حتى سددت أذني بكرسف لئلًا أسمع قولك ثم أبى الله إلا أن يسمعني قولك فسمعته قولًا حسنًا فاعرض علي أمرك قال فعرض علي رسول الله صلى الله عليه وسلم الإسلام وتلا علي القرآن فلا والله ما سمعت قولا قط أحسن منه ولا أمرًا أعدل منه قال فأسلمت وشهدت شهادة الحق وقلت يا نبي الله إن امرؤ مطاع في قومي وأنا راجع إليهم وداعيهم إلى الإسلام فادع الله أن يجعل لي آية تكون لي عونا عليهم فيما أدعوهم إليه فقال اللهم أجعل له آية.