قال وأنزل الله تعالى في الرهط الذين كانوا قد اجتمعوا إليه وقال لهم ما قال وردوا عليه ما ردوا"والقرآن ذي الذكر بل الذين كفروا في عزة وشقاق"إلى قوله تعالى"أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة"يعنون النصارى لقولهم"إن الله ثالث ثلاثة"- إن هذا إلا اختلاف"ثم هلك أبو طالب."
قال بن إسحاق ولما هلك أبو طالب نالت قريش من رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأذى ما لم تكن تنال منه في حياة عمه أبي طالب فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف يلتمس النصرة من ثقيف والمنعة بهم من قومه ورجاء أن يقبلوا منه ما جاءهم به من الله عز وجل فخرج إليهم وحده.
قال بن إسحاق فحدثني يزيد بن زياد عن محمد بن كعب القرظي قال لما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف عمد إلى نفر من ثقيف هم يؤمئذ ساده ثقيف وأشرافهم وهم إخوه ثلاثة عبد ياليل بن عمرو بن عمير ومسعود بن عمرو بن عمير وحبيب بن عمرو بن عمير بن عوف بن عقدة بن غيرة بن عوف بن ثقيف وعند أحدهم امرأة من قريش من بني جمح فجلس إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاهم إلى الله وكلمهم بما جاءهم له من نصرته على الإسلام والقيام معه على من خالفه من قومه فقال له أحدهم هو يمرط ثياب الكعبة إن كان الله أرسلك وقال الآخر أما وجد الله أحدا يرسله غيرك وقال الثالث والله لا أكلمك أبدًا لئن كنت رسولًا من الله كما تقول لأنت أعظم خطرًا من أن أرد عليك الكلام ولئن كنت تكذب على الله ما ينبغي لي أن أكلمك فقال رسول الله صلى عليه وسلم من عندهم وقد يئس من خير ثقيف وقد قال لهم - فيما ذكر لي - إذا فعلتم ما فعلتم فاكتموا عني وكره رسول الله صلى الله عليه وسلم يبلغ قومه عنه فيذئرهم ذلك عليه.
قال بن هشام قال عبيد بن الأبرص:
ولقد أتاني عن تميم أنهم ... ذئروا لقتلى عامر وتعصبوا
فلم يفعلوا واغروا به سفهاءهم وعبيدهم يسبونه ويصيحون به حتى اجتمع عليه الناس وألجئوه إلى حائط لعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وهما فيه ورجع عنه سفهاء ثقيف من كان يتبعه فعمد إلى ظل حبله من عنب فجلس فيه وابنا ربيعة ينظران إليه ويريان ما لقي من سفهاء أهل الطائف وقد لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ذكر لي - المرأة التي من بني جمح فقال لها ماذا لقينا من أحمائك؟.
فلما اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال - فيما ذكر لي - اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس يا أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين وأنت ربي إلى من تكلني إلى بعيد يتجهمني أم إلى عدو ملكته أمري إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي ولكن عافيتك هي أوسع لي أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك أو يحل علي سخطك لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك.
قال فلما رآه ابنا ربيعة عتبة وشيبة وما لقي تحركت له رحمهما فدعوا غلاما لهما نصرانيًا يقال له عداس فقالا له خذ قطفا من هذا العنب فضعه في هذا الطبق ثم اذهب به إلى ذلك الرجل فقل له يأكل منه ففعل عداس ثم أقبل به حتى وضعه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال له كل فلما وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه يده قال باسم الله ثم أكل فنظر عداس في وجهه ثم قال والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن أهل أي البلاد أنت يا عداس وما دينك؟ قال نصراني وأنا رجل من أهل نينوى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من قرية الرجل الصالح يونس بن متى فقال له عداس: وما يدريك ما يونس بن متى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذاك أخي كان نبيا وأنا نبي فأكب عداس علي رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل رأسه ويديه وقدميه.