قال ابن هشام: وحدثني أبو عبيدة عن أبي عمرو المدني قال: لما ظفر رسول الله صلى الله عليه وسلم ببني قريظة أخذ منهم نحوًا من أربعمائة رجل من اليهود وكانوا حلفاء الأوس على الخزرج فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن تضرب أعناقهم فجعلت الخزرج تضرب أعناقهم ويسرهم ذلك فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الخزرج ووجوههم مستبشرة ونظر إلى الأوس فلم ير ذلك فيهم فظن أن ذلك للحلف الذي بين الأوس وبين بني قريظة ولم بكن بقي من بني قريظة إلا اثنا عشر رجلًا فدفعهم إلى الأوس فدفع إلى كل رجلين من الأول رجلًا من بني قريظة وقال: ليضرب فلان وليذفف فلان فكان ممن دفع إليهم كعب بن يهوذا وكان عظيمًا في بني قريظة فدفعه إلى محيصة بن مسعود والى أبي بردة بن نيار وأبو بردة الذي رخص له رسول الله صلى الله عليه وسلم في أن يذبح جذعًا من المعز في الأضحى وقال: ليضربه محيصة وليذفف عليه أبو بردة فضربه ضربة لم تقطع وذفف أبو بردة فأجهز عليه فقال حويصة وكان كافرًا لأخيه محيصة: أقتلت كعب بن يهوذا؟ قال: نعم فقال حويصة: أما والله لرب شحم قد نبت في بطنك من ماله إنك للئيم يا محيصة فقال له محيصة: لقد أمرني بقتله من لو أمرني بقتلك لقتلتك فعجب من قوله ثم ذهب عنه متعجبًا فذكروا أنه جعل يتيقظ من الليل: فيعجب من قول أخيه محيصة حتى أصبح وهو يقول: والله إن هذا لدين ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأسلم فقال محيصة في ذلك أبياتًا قد كتبناها.
قال ابن إسحاق: وكانت إقامة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد قدومه من نجران جمادى الآخرة ورجبًا وشعبان وشهر رمضان وغزته قريش غزوة أحد في شوال سنة ثلاث.
وكان من حديث أحد كما حدثني محمد بن مسلم الزهري ومحمد بن يحيى بن حبان وعاصم بن عمر بن قتادة والحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ وغيرهم من علمائنا كلهم قد حدث بعض الحديث عن يوم أحد وقد اجتمع حديثهم كله فيما سقت من هذا الحديث عن يوم أحد قالوا أو من قاله منهم: لما أصيب يوم بدر من كفار قريش أصحاب القليب ورجع فلهم إلى مكة ورجع أبو سفيان بن حرب بعيره مشى عبد الله بن أبي ربيعة وعكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية في رجال من قريش ممن أصيب آباؤهم وإخوانهم يوم بدر فكلموا أبا سفيان بن حرب ومن كانت له في تلك العير من قريش تجارة فقالوا: يا معشر قريش إن محمدًا قد وتركم وقتل خياركم فأعينونا بهذا المال على حربه فعلنا ندرك منه ثأرنا بمن أصاب منا ففعلوا.
قال ابن إسحاق: ففيهم كما ذكر لي بعض أهل العلم أنزل الله تعالى:"إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا إلى جهنم يحشرون".
فاجتمعت قريش لحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين فعل ذلك أبو سفيان بن حرب وأصحاب العير بأحابيشها ومن أطاعها من قبائل كنانة وأهل تهامة وكان أبو عزة عمرو بن عبد الله الجمحي قد من عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر وكان فقيرًا ذا عيال وحاجة وكان في الأسارى فقال: إني فقير ذو عيال وحاجة قد عرفتها فامنن علي صلى الله عليه وسلم فمن عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له صفوان بن أمية: يا أبا عزة إنك امرؤ شاعر فأعنا بلسانك فاخرج معنا فقال: إن محمدًا قد من علي فلا أريد أن أظاهر عليه قال: بلى فأعنا بنفسك فلك الله علي إن رجعت أن أغنيك وإن أصبت أن أجعل بناتك مع بناتي يصيبهن ما أصابهن من عسر ويسر فخرج أبو عزة في تهامة ويدعو بني كنانة ويقول:
إيها بني عبد مناة الرزام ... أنتم حماة وأبوكم حام
لا تعدوني نصركم بعد العام ... لا تسلموني لا يحل إسلام
وخرج مسافع بن عبد مناف بن وهب بن حذافة بن جمح إلى بني مالك بن كنانة يحرضهم ويدعوهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:
يا مال مال الحسب المقدم ... أنشد ذا القربى وذا التذمم
من كان ذا رحم ومن لم يرحم ... الحلف وسط البلد المحرم
عند حطيم الكعبة المعظم ودعا جبير بن مطعم غلامًا له حبشيًا يقال له: وحشي يقذف بحربة له قذف الحبشة قلما يخطئ بها فقال له: اخرج مع الناس فإن أنت قتلت حمزة عم محمد بعمي طعيمة بن عدي فأنت عتيق.