قال بن إسحاق فلما انقضى أمر بدر أنزل الله عز وجل فيه من لقرآن الأنفال بأسرها فكان مما نزل منها في اختلافهم في النفل حين اختلفوا فيه"يسئلونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله رسوله إن كنتم مؤمنين".
فكان عبادة بن الصمامت فيما بلغني إذا سئل عن الأنفال قال فينا معشر أهل بدر نزلت حين اختلفنا في النفل يوم بدر فانتزعه الله من أيدينا حين ساءت فيه أخلاقنا فرده على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقسمه بيننا عن بواء يقول على السواء وكان في ذلك تقوى الله وطاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم وصلاح ذات البين .
ثم ذكر القوم ومسيرهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين عرف القوم أن قريشا قد ساروا إليهم وإنما خرجوا يريدون العير طمعا في الغنيمة فقال"كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقًا من المؤمنين لكارهون يجدلونك في الحق بعد ما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون". أي كراهية للقاء القوم وإنكار لمسير قريش حين ذكروا لهم"وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم"أي الغنيمة دون الحرب"ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين"أي بالوقعة التي أوقع بصناديد قريش وقادتهم يوم بدر"إذ تستغيثون ربكبم"أي لدعائهم حين نظروا إلى كثرة عدوهم وقلة عددهم"فاستجاب لكم"بدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعائكم"أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين إذ يغشيكم النعاس أمنة منه": أي أنزلت عليكم الأمنة حين نمتم لا تخافون"وينزل عليكم من السماء ماء"للمطر الذي أصابهم تلك الليلة فحبس المشركين أن يسبقوا إلى الماء وخلى سبيل المسلمين إليه: ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام"أي ليذهب عنكم شك الشيطان لتخويفه إياهم وعدوهم واستجلاد الأرض لهم حتى انتهوا إلى منزلهم الذي سبقوا إليه عدوهم."
ثم قال تعالى"إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا اللذين آمنوا"أي آزروا الذين آمنوا"سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب"ثم قال"يأيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفًا فلا تولوهم الأدبار ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير"أي تحريضا لهم على عدوهم لئلا ينكلوا عنهم إذا لقوهم وقد وعدهم فيهم ما وعدهم .
ثم قال تعالى في رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم إياهم بالحصباء من يده حين رماهم"وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى"أي لم يكن ذلك برميتك لولا الذي جعل الله فيها من نصرك وما ألقى في صدور عدوك منها حين هزمهم الله وليبلى المؤمنين منه بلاء حسنا"أي ليعرف المؤمنين من نعمته عليهم في إظهارهم على عدوهم وقلة عددهم ليعرفوا بذلك حقه ويشكروا بذلك نعمته."
ثم قال"إن تستفحوا فقد جاءكم الفتح"أي لقول أبي جهل: اللهم أقطعنا للرحم وآتانا بما لا يعرف فأحنه الغداة والاستفتاح الإنصاف في الدعاء.
يقولا الله جل ثناؤه"وإن تنتهوا"أي لقريش"فهو خير لكم وإن تعودوا نعد"أي بمثل الوقعة الت أصبناكم بها يوم بدر"ولن تغني عنكم فئتكم شيئًا ولو كثرت وإن الله مع المؤمنين"أي عددكم وكثرتكم في أنفسكم لن تغني عنكم شيئًا وإني مع المؤمنين أنصرهم على من خالفهم.