ثم ذكر محبسه وكفه إياه عن القتال بعد الظفر منه بهم يعني النفر الذين أصاب منهم وكفهم عنه ثم قال تعالى:"وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم وكان الله بما تعملون بصيرًا"ثم قال تعالى:"هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفًا أن يبلغ محله".
قال ابن هشام: المعكوف: المحبوس قال أعشى بني قيس بن ثعلبة:
وكأن السموط عكفه السلك بعطفي جيداء أم غزال
وهذا البيت في قصيدة له: قال ابن إسحاق:"ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم"والمعرة: الغرم أي أن تصيبوا منهم معرة بغير علم فتخرجوا ديته فإما إثم فلم يخشه عليهم.
قال ابن هشام: بلغني عن مجاهد أنه قال: نزلت هذه الآية في الوليد بن الوليد بن المغيرة وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة وأبي جندل بن سهيل وأشباههم.
قال ابن إسحاق: ثم قال تبارك وتعالى:"إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية"يعني سهيل بن عمرو حين حمي أن تكتب بسم الله الرحمن الرحيم وأن محمدًا رسول الله ثم قال تعالى:"فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى"وكانوا أحق بها وأهلها: أي التوحيد شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله.
ثم قال تعالى:"لقد صدق الله ورسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رءوسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم تعلموا": أي لرؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم التي رأى أنه سيدخل مكة آمنًا لا يخاف يقول: محلقين رءوسكم ومقصرين معه لا تخافون فعلم من ذلك ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحًا قريبًا صلح الحديبية.
يقول الزهري: فما فتح في الإسلام فتح قبله كان أعظم منه إنما كان القتال حيث التقى الناس فلما كانت الهدنة ووضعت الحرب وآمن الناس بعضهم بعضًا والتقوا فتفاوضوا في الحديث والمنازعة فلم يكلم أحد بالإسلام يعقل شيئًا إلا دخل فيه ولقد دخل تينك السنتين مثل من كان في الإسلام قبل ذلك أو أكثر.
قال ابن هشام: والدليل على قول الزهري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى الحديبية في ألف وأربعمائة في قول جابر بن عبد الله ثم خرج عام فتح مكة بعد ذلك بسنتين في عشرة آلاف.
قال ابن إسحاق: فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة آتاه أبو بصير عتبة بن أسيد بن جارية وكان ممن حبس بمكة فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب فيه أزهر بن عبد عوف بن عبد بن الحارث بن زهرة والأخنس بن شريق بن عمرو بن وهب الثقفي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعثا رجلًا من بني عامر بن لؤي ومعه مولى لهم فقدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتاب الأزهر والأخنس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا بصير إنا قد أعطينا هؤلاء القوم ما قد علمت ولا يصلح لنا في ديننا الغدر وإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجًا ومخرجًا فانطلق إلى قومك قال: يا رسول الله أتردني إلى المشركين يفتنونني في ديني؟ قال: يا أبا بصير انطلق فإن الله تعالى سيجعل ولمن معك من المستضعفين فرجًا ومخرجًا.
فانطلق معهما حتى إذا كان بذي الحليفة جلس إلى جدار وجلس معه صاحباه فقال أبو بصير: أصارم سيفك هذا يا أخا بني عامر؟ فقال: نعم قال: أنظر إليه؟ قال: انظر إن شئت قال: فاستله أبو بصير ثم علاه به حتى قتله وخرج المولى سريعًا حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس في المسجد فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم طالعًا قال: إن هذا الرجل قد رأى فزعًا فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ويحك! ما لك؟ قال: قتل صاحبكم صاحبي فوالله ما برح حتى طلع أبو بصير متوشحًا بالسيف حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله وفت ذمتك وأدى الله عنك أسلمتني بيد القوم وقد امتنعت بديني أن أفتن فيه أو يعبث بي قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ويل أمه محش حرب لو كان معه رجال!