بأيدي رجال هاجروا نحو ربهم ... وأنصاره حقًا وأيدي الملائك
إذا سلكت للغور من بطن عالج ... فقولا لها ليس الطريق هنالك
قال ابن هشام: وهذه الأبيات في أبيات لحسان بن ثابت نقضها عليه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وسنذكرها ونقيضتها إن شاء الله في موضعها.
قال ابن إسحاق: وكان من حديث كعب بن الأشرف: أنه لما أصيب أصحاب بدر وقدم زيد بن حارثة إلى أهل السافلة وعبد الله بن رواحة إلى العالية بشيرين بعثهما رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى من بالمدينة من المسلمين بفتح الله عز وجل عليه وقتل من قتل من المشركين كما حدثني عبد الله بن المغيث بن أبي بردة الظفري وعبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وعاصم بن عمر بن قتادة وصالح بن أبي أمامة بن سهل كل قد حدثني بعض حديثه قالوا: قال كعب بن الأشرف وكان رجلًا من طيئ ثم أحد بني نبهان وكانت أمه من بني النضير هذان حين بلغه من الخبر: أحق هذا؟ أترون محمدًا قتل هؤلاء الذين يسمى هذان الرجلان يعني زيدًا وعبد الله بن رواحة فهؤلاء أشراف العرب وملوك الناس والله لئن كان محمد أصاب هؤلاء القوم لبطن الأرض خير من ظهرها .
ما قاله كعب تحريضًا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما تيقن عدو الله الخبر خرج حتى قدم مكة فنزل على المطلب بن أبي وداعة بن ضبيرة السهمي وعنده عاتكة بنت أبي العيص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف فأنزلته وأكرمته وجعل يحرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم وينشد الأشعار ويبكي أصحاب القليب من قريش الذين أصيبوا ببدر فقال:
طحنت رحى بدر لمهلك أهله ... ولمثل بدر تستهل وتدمع
قتلت سراة الناس حول حياضهم ... لا تبعدوا إن الملوك تصرع
كم قد أصيب به من أبيض ماجد ... ذي بهجة يأوي إليه الضيع
طلق اليدين إذا الكواكب أخلفت ... حمال أثقال يسود ويربع
ويقول أقوام أسر بسخطهم ... إن ابن الأشراف ظل كعبًا يجزع
صدقوا فليت الأرض ساعة قتلوا ... ظلت تسوخ بأهله وتصدع
صار الذي أثر الحديث بطعنه ... أو عاش أعمى مرعشًا لا يسمع
نبئت أن بني المغيرة كلهم ... خشعوا لقتل أبي الحكيم وجدعوا
وابنا ربيعة عنده ومنبه ... ما نال مثل المهلكين وتبع
نبئت أن الحارث بن هشامهم ... في الناس يبني الصالحات ويجمع
ليزور يثرب بالجموع وإنما ... يحمى على الحسب الكريم الأروع
قال ابن هشام: قوله"تبع""وأسر بسخطهم"عن غير ابن إسحاق .
قال ابن إسحاق: فأجابه حسان بن ثابت الأنصاري فقال:
أبكي لكعب ثم عل بعبرة ... منه وعاش مجدعًا لا يسمع؟
ولقد رأيت ببطن بدر منهم ... قتلى تسح لها العيون وتدمع
فابكي فقد أبكيت عبدًا راضعًا ... شبه الكليب إلى الكليبة يتبع
ولقد شفى الرحمن منا سيدًا ... وأهان قومًا قاتلوه وصرعوا
ونجا وأفلت منهم من قلبه ... شغف يظل لخوفه يتصدع
قال ابن هشام: وأكثر أهل العلم بالشعر ينكرها لحسان وقوله"أبكى لكعب"عن غير ابن إسحاق.
قال ابن إسحاق: وقالت امرأة من المسلمين من بني مريد بطن من بلى كانوا حلفاء في بني أمية بن زيد يقال لهم: الجعادرة تجيب كعبًا قال ابن إسحاق: اسمها ميمونة بنت عبد الله وأكثر أهل العلم بالشعر ينكر هذه الأبيات لها وينكر نقيضتها لكعب بن الأشرف:
تحنن هذا العبد كل تحنن ... يبكي على قتلى وليس بناصب
بكت عين من يبكي لبدر وأهله ... وعلت بمثليها لؤي بن غالب
فليت الذين ضرجوا بدمائهم ... يرى ما بهم من كان بين الأخاشب
فيعلم حقًا عن يقين ويبصروا ... مجرهم فوق اللحى والحواجب
فأجابها كعب بن الأشرف فقال:
ألا فازجروا منكم سفيهًا لتسلموا ... عن القول يأتي منه غير مقارب