فأنزل الله تعالى في ذلك من قولهم واختلاف أمرهم كله صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها قال جل وعز"آلم الله لا إله إلا هو الحي القيوم"فافتتح السورة بتنزيه نفسه عما قالوا وتوحيده إياه بالخلق والأمر لا شريك له فيه ردا عليهم ما ابتدعوا من الكفر وجعلوا معه من الأنداد واحتجاجا بقولهم عليهم في صاحبهم ليعرفهم بذلك ضلالتهم فقال"آلم الله لا إله الا هو"ليس معه غيره شريك في أمره"الحي القيوم"الحي الذي لا يموت وقد مات عيسى وصلب في قولهم والقيوم القائم على مكانه من سلطانه في خلقه لا يزول وقد زال عيسى في قولهم عن مكانه الذي كان به وذهب عنه إلى غيره."نزل عليك الكتاب بالحق"أي بالصدق فيما اختلفوا فيه"وأنزل التوراة الإنجيل"التوراة على موسى والإنجيل على عيسى كما أنزل الكتب على من كان قبله"وأنزل الفرقان"أي الفصل بين الحق والباطل فيما اختلف فيه الاحزاب من أمر عيسى وغيره ."إن الذين كفرو بآيات الله لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام"أي أن الله منتقم ممن كفر بآياته بعد علمه بها ومعرفته بما جاء منه فيها"إن الله لا يخفي عليه شيء في الأرض ولا في السماء"أي قد علم ما يريدون وما يكيدون وما يضاهون بقولهم في عيسى إذ جعلوه إلها وربا وعندهم من علمه غير ذلك غرة بالله وكفرا به ."هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء". أي قد كان عيسى ممن صور في الأرحام لا يدفعون ذلك ولا ينكرونه كما صور غيره من ولد آدم فكيف يكون إلها وقد كان بذالك المنزل ثم قال تعالى إنزاها لنفسه وتوحيدا لها مما جعلوا معه"لا إله إلا هو العزيز الحكيم"العزيز في انتصاره ممن كفر به إذا شاء الحيكم في حجته وعذره إلى عباده ."هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب". فهن جحة الرب وعصمة العباد ودفع الخصوم والباطل ليس لهن تصريف ولا تحريف عما وضعن عليه"وأخر متشابهات". لهن تصريف وتأويل ابتلى الله فيهن العباد كما اتبلاهم في الحلال والحرام ألا يصرفن إلى الباطل ولا يحرفن عن الحق يقول عز وجل"فأما الذين في قلوبهم زيغ"أي ميل عن الهدى"فيتبعون ما تشابه منه"أي ما تصرف منه ليصدقوا به ما ابتدعوا وأحدثوا لتكون لهم حجة ولهم على ما قالوا شبهة"ابتغاء الفتنة"أي اللبس"وابتغاء تأويله". ذلك على ما ركبوا من الضلالة في قولهم خلقنا وقضينا يقول"وما يعلم تأويله"أي الذي به أرادوا ما أرادوا"إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا"فكيف يختلف وهو قول واحد من رب واحد ثم ردوا تأويل المتشابه على ما عرفوا من تأويل المحكمة التي لا تأويل لأحد فيها إلا تأويل واحد واتسق بقولهم الكتاب وصدق بعضه بعضًا فنفذت به الحجة وظهر به العذر وزاح به الباطل ودمغ به الكفر يقول الله تعالى في مثل هذا"وما يذكر"في مثل هذا"إلا أولوا الألباب ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا"أي لا تمل قلوبنا وإن ملنا يأحداثنا."وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب".
ثم قال شهد الله انه لا إله إلا هو الملائكة وأولوا العلم"بخلاف ما قالوا"قائمًا بالقسط"أي بالعدل فيما يريد"لا إله الا هو العزيز الحكيم إن الدين عند الله الإسلام"أي ما أنت عليه يا محمد التوحيد للرب والتصديق للرسل"وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلامن بعد ما جاءهم العلم"أي الذي جاءك أي أن الله الواحد الذي ليس له شريك"بغيا بينهم ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب فإن حاجوك"أي بما يأتون به من الباطل من قولهم خلفنا وفعلنا وأمرنا فأنما هي شبهة باطل قد عرفوا ما فيها من الحق"فقل أسلمت وجهي لله"أي وحده"ومن ابتغن وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين"الذين لا كتاب لهم"أءسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد"."