قال بن إسحاق فلما بعث الله تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم كان مما يعد الله على قريش من نعمته عليهم وفضله ما رد عنهم من أمر الحبشة لبقاء أمرهم ومدتهم فقال الله تبارك وتعالى"ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ألم يجعل كيدهم في تضليل وأرسل عليهم طيرًا أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل فجعلهم كعصف مأكول"وقال:"لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف"أي لئلا يغير شيئًا من حالهم التي كانوا عليها لما أراد الله بهم من الخير لو قبلوه .
قال بن هشام الأبابيل الجماعات ولم تتكلم لها العرب بواحد علمناه وأما السجيل فأخبرني يونس النحوي وأبو عبيدة أنه عند العرب الشديد الصلب قال رؤبة بن العجاج
ومسهم ما مس أصحاب الفيل ... ترميهم حجارة من سجيل
و لعبت طير بهم أبابيل
وهذه الأبيات في أرجوزة له ذكر بعض المفسرين أنهما كلمتان بالفارسية جعلتهما العرب كلمة واحدة وإنما هو سنج وجل يعني بالسنج الحجر وبالجل الطين يعني الحجارة من هذين الجنسين الحجر والطين والعصف ورق الزرع الذي لم يقصب وواحدته عصفة قال وأخبرني أبو عبيدة النحوي أنه يقال له العصافة والعصيفة وأنشدني لعلقمة بن عبدة أحد بني ربيعة بن مالك بن زيد مناة بن تميم:
تسقي مذانب قد مالت عصيفتها ... حدورها من أتي الماء مطموم
وهذا البيت في قصيدة له وقال الراجز:
فصيروا مثل كعصف مأكول
قال بن هشام ولهذا البيت تفسير في النحو وإيلاف قريش إلفهم الخروج إلى الشام في تجارتهم وكانت لهم خرجتان خرجة في الشتاء وخرجة في الصيف أخبرني أبو زيد الأنصاري أن العرب تقول ألفت الشيء إلفا وآلفته إيلافا في معنى واحد وأنشدني لذي الرمة:
من المؤلفات الرمل أدماء حرة ... شعاع الضحى في لونها يتوضح
وهذ البيت في قصيدة له وقال مطرود بن كعب الخزاعي:
المنعمين إذا النجوم تغيرت ... والظاعنين لرحلة الإيلاف
وهذا البيت في أبيات له سأذكرها في موضعها إن شاء الله تعالى والإيلاف أيضًا أن يكون للإنسان ألف من الإبل أو البقر أو الغنم أو غير ذلك يقال آلف فلان إيلافا قال الكميت بن زيد أحد بني أسد بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد:
بعام يقول له المؤلفون ... هذا المعيم لنا المرجل
وهذ البيت في قصيدة له والإيلاف أيضا أن يصير القوم ألفا يقال آلف القوم إيلافا قال الكميت بن زيد:
وآل مزيقياء غداة لاقوا ... بني سعد بن ضبة مؤلفينا
وهذا البيت في قصيدة له والإيلاف أيضا أن تؤلف الشيء إلى الشيء فيألفه ويلزمه يقال آلفته إياه إيلافا والإيلاف أيضا أن تصير ما دون الألف ألفا آلفته إيلافا.
قال بن إسحاق حدثني عبد الله بن أبي بكر عن عمرة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: لقد رأيت قائد الفيل وسائسه بمكة أعميين مقعدين يستطعمان الناس.
قال بن إسحاق فلما رد الله الحبشة عن مكة وأصابهم بما أصابهم به من النقمة أعظمت العرب قريشا وقالوا هم أهل الله قاتل الله عنهم وكفاهم مئونة عدوهم فقالوا في ذلك أشعارًا يذكرون فيها ما صنع الله بالحبشة وما رد عن قريش من كيدهم.
فقال عبد الله بن الزبعري بن عدي بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر:
تنكلوا عن بطن مكة إنها ... كانت قديما لا يرام حريمها
لم تخلق الشعرى ليالي حرمت ... إذ لا عزيز من الأنام يرومها
سائل أمير الجيش عنها ما رأى ... ولسوف ينبي الجاهلين عليهما
ستون ألفا لم يئوبوا أرضهم ... ولم يعش بعد الإياب سقيمها
كانت بها عاد وجرهم قبلهم ... والله من فوق العباد يقيمها
قال بن إسحاق يعني بن الزبعري بقوله:
بعد الإياب سقيهما
أبرهة إذ حملوه معهم حين أصابه ما أصابه حتى مات بصنعاء .