قال بن إسحاق وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مع جده عبد المطلب بن هاشم وكان يوضع لعبد المطلب فراش في ظل الكعبة فكان بنوه يجلسون حول فراشه ذلك حتى يخرج اليه لا يجلس عليه أحد من بنيه إجلالا له قال فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأت وهو غلام جفر حتى يجلس عليه فيأخذه أعمامه ليؤخروه عنه فيقول عبد المطلب إذا رأى ذلك منهم دعوا ابني فوالله إن له لشأنا ثم يجلسه معه على الفراش ويمسح ظهره بيده ويسره ما يراه يصنع.
فلما بلغ روس الله صلى الله عليه وسلم ثماني سنين هلك عبد المطلب بن هاشم وذلك بعد الفيل بثماني سنين .
قال بن إسحاق وحدثني العباس بن عبد الله بن معبد بن عباس عن بعض أهله أن عبد المطلب توفي ورسوله الله صلى الله عليه وسلم بن ثمان سنين قال بن إسحاق حدثني محمد بن سعيد بن المسيب: أن عبد المطلب لما حضرته الوفاة وعرف أنه ميت جمع بناته وكن ست نسوة صفية وبرة وعاتكة وأم حكيم البيضاء وأميمة وأروى فقال لهن ابكين علي حتى أسمع ما تقلن قبل أن أموت .
قال بن هشام ولم أر أحدًا من أهل العلم بالشعر يعرف هذا الشعر إلا أنه لما رواه عن محمد بن سعيد بن المسيب كتبناه .
فقالت صفية بنت عبد المطلب تبكي أباها:
أرقت لصوت نائحة بليل ... على رجل بقارعة الصعيد
ففاضت عند ذلكم دموعي ... على خدي كمنحدر الفريد
على رجل كريم غير وغل ... له الفضل المبين على العبيد
على الفياض شيبة ذي المعالي ... أبيك الخير وارث كل جود
صدوق في المواطن غير نكس ... ولا سخت المقام ولا سنيد
طويل الباع أروع شيظمي ... مطاع في عشيرته حميد
رفيع البيت ابلج ذي فضول ... وغيث الناس في الزمن الحرود
كريم الجد ليس بذي وصوم ... يروق على المسود والمسود
عظيم الحلم من نفر كرام ... خضارمة ملاوثة أسود
فلو خلد امرؤ لقديم مجد ... ولكن لا سبيل إلى الخلود
لكان مخلدًا أخرى الليالي ... لفضل المجد والحسب التليد
وقالت برة بنت عبد المطلب تبكي أباها:
أعيني جودا بدمع درر ... على طيب الخيم والمعتصر
على ماجد الجد واري الزناد ... جميل المحيا عظيم الخطر
على شيبة الحمد ذي المكرمات ... وذي المجد والعز والمفتخر
وذي الحلم والفصل في النائبات ... كثير المكارم جم الفخر
له فضل مجد على قومه ... منير يلوح كضوء القمر
أتته المنايا فلم تشوه ... بصرف الليالي وريب القدر
وقالت عاتكة بنت عبد المطلب تبكي أباها:
أعيني جودا ولا تبخلا ... بدمعكما بعد نوم النيام
أعيني واسحنفرا واسكبا ... وشوبا بكاءكما بالتدام
أعيني واستخرطا واسجما ... على رجل غير نكس كهام
على الجحفل الغمر في النائبات ... كريم المساعي وفي الذمام
على شيبة الحمد واري الزناد ... وذي مصدق بعد ثبت المقام
وسيف لدى الحرب صمصامة ... ومردي المخاصم عند الخصام
وسهل الخليقة طلق اليدين ... وفي عدملي صميم لهام
تبنك في باذخ بيته ... رفع الذؤابة صعب المرام
وقالت أم حكيم البيضاء بنت عبد المطلب تبكي أباها:
ألا يا عين جودي واستهلي ... وبكي ذا الندى والمكرمات
ألا يا عين ويحك أسعفيني ... بدمع من دموع هاطلات
وبكي خير من ركب المطايا ... أباك الخير تيار الفرات
طويل الباع شيبة ذا المعالي ... كريم الخيم محمود الهبات