قال بن إسحاق فابتدىء رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتنزيل في شهر رمضان بقول الله عز وجل"شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان"وقال الله تعالى"إنا أنزلناه في ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر سلام هي حتى مطلع الفجر"وقال الله تعالى"حم والكتاب المبين إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين فيها يفرق كل أمر حكيم أمرًا من عندنا إنا كنا مرسلين"وقال تعالى"إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان". وذلك ملتقى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمشركين ببدر.
قال بن إسحاق وحدثني أبو جعفر محمد بن علي بن حسين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم التقى هو والمشركون ببدر يوم الجمعة صبيحة سبع عشرة من رمضان .
قال بن إسحاق ثم تتام الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مؤمن بالله مصدق بما جاءه منه قد قبله بقبوله وتحمل منه ما حمله على رضا العباد وسخطهم والنبوة أثقال ومؤنة لا يحملها ولا يستطيع بها إلا أهل القوة والعزم من الرسل بعون الله تعالى وتوفيقه لما يلقون من الناس وما يرد عليهم مما جاءوا به عن الله سبحانه وتعالى قال فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمر الله على ما يلقى من قومه من الخلاف والأذى.
وآمنت به خديجة بنت خويلد وصدقت بما جاءه من الله ووازرته على أمره وكانت أول من آمن بالله وبرسوله وصدق بما جاء منه فخفف الله بذلك عن نبيه صلى الله عليه وسلم لا يسمع شيئًا مما يكرهه من رد عليه وتكذيب له فيحزنه ذلك إلا فرج الله عنه بها إذا رجع إليها تثبته وتخفف عليه وتصدقه وتهون عليه امر الناس رحمها الله تعالى.
تبشير الرسول لخديجة ببيت من قصب قال بن إسحاق وحدثني هشام بن عروة عن أبيه عروة بن الزبير عن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرت أن أبشر خديجة ببيت من قصب لا صخب فيه ولا نصب .
قال بن هشام القصب ههنا اللؤلؤ المجوف
قال بن هشام وحدثني من أثق به أن جبريل عليه السلام أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أقرىء خديجة السلام من ربها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا خديجة هذا جبريل يقرئك السلام من ربك فقالت خديجة الله السلام ومنه السلام وعلى جبريل السلام.
قال بن إسحاق ثم فتر الوحي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فترة من ذلك حتى شق ذلك عليه فأحزنه فجاءه جبريل بسورة الضحى يقسم له ربه وهو الذي أكرمه بما أكرمه به ما ودعه وما قلاه فقال تعالى"والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى". يقول ما صرمك فتركك وما أبغضك منذ أحبك"وللآخرة خير لك من الأولى"أي لما عندي من مرجعك إلي خير لك مما عجلت لك من الكرامة في الدنيا"ولسوف يعيطك ربك فترضى"من الفلج في الدنيا والثواب في الآخرة"ألم يجدك يتيمًا فآوى ووجدك ضالًا فهدى ووجدك عائلًا فأغنى". يعرفه الله ما ابتدأه به من كرامته في عاجل أمره ومنه عليه في يتمه وعيللته وضلالته واستنقاذه من ذلك كله برحمته.
قال بن هشام سجى سكن قال أمية بن أبي الصلت الثقفي:
إذ أتى موهنا وقد نام صحبي ... وسجا الليل بالظلام البهيم
وهذا البيت في قصيدة له ويقال للعين إذا سكن طرفها ساجية وسجا طرفها.
قال جرير:
ولقد رمينك حين رحن بأعين ... يقتلن من خلل الستور سواجي
وهذا البيت في قصيدة له والعائل الفقير قال أبو خراش الهذلي:
إلى البيت يأوي الضريك إذا شتا ... ومستنبح بالي الدريسين عائل
وجمعه عالة وعيل وهذا البيت في قصيدة له سأذكرها في موضعها إن شاء الله والعائل أيضًا الذي يعول العيال والعائل أيضًا الخائف وفي كتاب الله تعالى"ذلك أدنى ألا تعولوا". وقال أبو طالب:
بميزان قسط لا يخس شعيرة ... له شاهد من نفسه غير عائل