فلما تقارب أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وحضر مبعثه حجبت الشيطان عن السمع وحيل بينها وبين المقاعد الي كانت تقعد لا ستراق السمع فيها فرموا بالنحوم فعرفت الجن أن ذلاك لأمر حدث من أمر الله في العباد يقول الله تبارك وتعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم حين بعثه وهو يقص عليه خبر الجن إذ حجبوا عن السمع فعرفوا ما عرفوا وما أنكروا من ذلك حين رأوا ما رأوا"قل أوحي إلي إنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدًا وأنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولدًا وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططا وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذبا وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا"إلى قوله"وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابًا رصدًا وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الارض أم أراد بهم ربهم رشدًا".
فلما سمعت الجن القرآن عرفت أنها إنما منعت من السمع قبل ذلك لئلا يشكل الوحي بشيء من خبر السماء فيلتبس على أهل الأرض ما جاءهم من الله فيه لوقوع الحجة وقطع الشبهة فآمنوا وصدقوا ثم"ولوا إلى قومهم منذرين قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقًا لما بين يديه يهدي إلى الحق والى طريق مستقيم".. الآية.
وكان قول الجن"وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقًا"أنه كان الرجل من العرب من قريش وغيرهم إذا سافر فنزل بطن واد من الأرض ليبيت فيه قال إني أعوذ بعزيز هذا الوادي من الجن الليلة من شر ما فيه. قال بن هشام الرهق الطغيان والسفه قال رؤبة بن العجاج:
إذ تستبي الهيامة المرهقا
وهذا البيت في أرجوزة له والرهق أيضًا طلبك الشيء حق تدنو منه أو لا تأخذه قال رؤبة بن العجاج يصف حمير وحش:
بصبصن واقشعررن من خوف الرهق
وهذا البيت في أرجوزة له والرهق أيضًا مصدر لقول الرجل رهقت الإثم أو العسر الذي أرهقتني رهقًا شديدًا أي حملت الإثم أو العسر الذي حملني حملًا شديدًا وفي كتاب الله تعالى"فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرًا". وقوله"ولا ترهقني من أمري عسرًا".
قال بن إسحاق وحدثني يعقوب بن عقبتة بن المغيرة بن الأخنس أنه حدث أن أول العرب فزع للرمي بالنجوم حين رمي بها هذا الحي من ثقيف وأنهم جاءوا إلى رجل منهم يقال له عمرو بن أمية أحد بني علاج قال وكان أدهى العرب وأنكرها رأيا فقالوا له يا عمرو ألم تر ما حدث في السماء من القذف بهذه النجوم قال بلى فانظروا فإن كانت معالم النجوم التي يهتدى بها في البر والبحر وتعرف بها الأنواء من الصيف والشتاء لما يصلح الناس في معايشهم هي التي يرمى بها فهو والله طي الدنيا وهلاك هذا الخلق الذي فيها وإن كانت نجوما غيرها وهي ثابتة على حالها فهذا لأمر أراد الله به هذا الخلق فما هو؟.
قال بن إسحاق وذكر محمد بن مسلم بن شهاب الزهري عن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عن عبد الله بن العباس عن نفر من الأنصار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم ماذا كنتم تقولون في هذا النجم الذي يرمى به قالوا يا نبى الله كنا نقول حين رأيناها يرمى بها مات ملك ملك ملك ولد مولود مات مولود فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس ذلك كذلك ولكن الله تبارك وتعالى كان إذا قضى في خلقه أمرًا سمعه حمله العرش فسبحوا فسبح من تحتهم فسبح لتسبيحهم من تحت ذلك فلا يزال التسبيح يهبط حتى ينتهي إلى السماء الدنيا فيسبحوا ثم يقول بعضهم لبعض مم سبحتم فيقولون سبح من فوقنا فسبحنا لتسبيحهم فيقولون ألا تسالون من فوقكم من سبحوا فيقولون مثل ذلك حتى ينتهوا إلى حملة العرش فيقال لهم مم سبحتم فيقولون قضى الله في خلقه كذا وكذا للأمر الذي كان فيهبط به الخبر من سماء إلى سماء حتى ينتهي إلى السماء الدنيا فيتحدثوا به فتسترقه الشياطين بالسمع على توهم واختلاف ثم يأتوا به الكهان من أهل الأرض فيحدثوهم به فيخطئون ويصيبون فيتحدث به الكهان فيصيبون بعضا ويخطئون بعضًا ثم إن الله عز وجل حجبت الشياطين بهذه النجوم التي يقذفون بها فانقطعت الكهانة اليوم فلا كهانة.