فلما أسلم أهل الطائف ووجه رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا سفيان والمغيرة إلى هدم الطاغية سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو مليح بن عروة أن يقضي عن أبيه عروة دينًا كان عليه من مال الطاغية فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم فقال له قارب بن الأسود وعن الأسود يا رسول الله فاقضه وعروة والأسود أخوان لأب وأم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الأسود مات مشركًا فقال قارب لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله لكن تصل مسلمًا ذا قرابة يعني نفسه إنما الدين علي وإنما أنا الذي أطلب به فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا سفيان أن يقضي دين عروة والأسود من مال الطاغية فلما جمع المغيرة ما لها قال لأبي سفيان: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمرك أن تقضي عن عروة والأسود دينهما فقضى عنهما.
وكان كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كتب لهم: بسم الله الرحمن الرحيم: من محمد النبي رسول الله إلى المؤمنين: إن عضاه وج وصيده لا يعضد من وجد يفعل شيئًا من ذلك فإنه يجلد وتنزع ثيابه فإن تعدى ذلك فإنه يؤخذ فيبلغ به إلى النبي محمد وإن هذا أمر النبي محمد رسول الله.
وكتب خالد بن سعيد: بأمر الرسول محمد بن عبد الله فلا يتعده أحد فيظلم نفسه فيما أمر به محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
اختصاص النبي صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب رضوان الله عليه بتأدية أول براءة عنه وذكر براءة والقصص في تفسيرها قال ابن إسحاق: ثم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بقية شهر رمضان وشوالًا وذا القعدة ثم بعث أبا بكر أميرًا على الحج من سنة تسع ليقيم للمسلمين حجهم والناس من أهل الشرك على منازلهم من حجهم فخرج أبو بكر رضي الله عنه ومن معه من المسلمين.
ونزلت براءة في نقض ما بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين المشركين من العهد الذي كانوا عليه فيما بينه وبينهم: أن لا يصد عن البيت أحد جاءه ولا يخاف أحد في الشهر الحرام وكان ذلك عهدًا عامًا بينه وبين الناس من أهل الشرك وكانت بين ذلك عهود بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قبائل من العرب خصائص إلى آجال مسماة فنزلت فيه وفيمن تخلف من المنافقين عنه في تبوك وفي قول من قال منهم فكشف الله تعالى فيها سرائر أقوام كانوا يستخفون بغير ما يظهرون منهم من سمي لنا ومنهم من لم يسم لنا فقال عز وجل:"براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين": أي لأهل العهد العام من أهل الشرك"فسيحوا في الأرض أربعة أشهر واعلموا أنكم غير معجزي الله وأن الله مخزي الكافرين. وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسوله": أي بعد هذه الحجة"فإن تبتم فهو خير لكم وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله وبشر الذين كفروا بعذاب أليم إلا الذين عاهدتم من المشركين": أي العهد الخاص إلى الأجل المسمى"ثم لم ينقصوكم شيئًا ولم يظاهروا عليكم أحدًا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين فإذا انسلخ الأشهر الحرم": يعني الأربعة التي ضرب لهم أجلًا"فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم وإن أحد من المشركين": أي من هؤلاء الذين أمرتك بقتلهم"استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون".
ثم قال:"كيف يكون للمشركين"الذين كانوا هم وأنتم على العهد العام أن لا يخيفوكم ولا يخيفوهم في الحرمة ولا في الشهر الحرام"عهد عند الله وعند رسوله إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام"وهي قبائل من بني بكر الذين كانوا دخلوا في عقد قريش وعهدهم يوم الحديبية إلى المدة التي كانت بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قريش فلم يكن نقضها إلا هذا الحي من قريش وهي الديل من بني بكر بن وائل الذين كانوا دخلوا في عقد قريش وعهدهم فأمر بإتمام العهد لمن لم يكن نقض من بني بكر إلى مدته"فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين".
ثم قال تعالى:"كيف وإن يظهروا عليكم": أي المشركون الذين لا عهد لهم إلى مدة من أهل الشرك العام"لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة".