فهرس الكتاب

الصفحة 55 من 449

قال بن إسحاق ثم ابتدعوا في ذلك أمورًا لم تكن لهم حتى قالوا لا ينبغي للحمس أن يأتقطوا الأقط ولا يسئلوا السمن وهم حرم ولا يدخلوا بيت من شعر ولا يستظلوا إن استظلوا إلا في بيوت الأدم ما كانوا حرمًا ثم رفعوا في ذلك فقالوا لا ينبغي لأهل الحل أن يأكلوا من طعام جاءوا به معهم من الحل إلى الحرم إذا جاءوا حجاجًا أو عمارًا ولا يطوفون بالبيت إذا قدموا أول طوافهم إلا في ثياب الحمس فإن لم يجدوا منها شيئًا طافوا بالبيت عراة فإن تكرم منهم متكرم من رجل أو امرأة ولم يجدوا ثياب الحمس فطاف في ثيابه التي جاء بها من الحل ألقاها إذا فرغ من طوافه ثم لم ينتفع بها ولم يمسها هو ولا أحد غيره أبدًا.

وكانت العرب تسمى تلك الثياب اللقى فحملوا على ذلك العرب فدانت به ووقفوا على عرفات وأفاضوا منها وطافوا بالبيت عراة أما الرجال فيطوفون عراة وأما النساء فتضع إحداهن ثيابها كلها إلا درعًا مفرجًا عليها ثم تطوف فيه فقالت امرأة من العرب وهي كذلك تطوف بالبيت:

اليوم يبدو بعضه أو كله ... وما بدا منه فلا أحله

ومن طاف منهم في ثيابه التي جاء فيها من الحل ألقاها فلم ينتفع بها هو ولا غيره. فقال قائل من العرب يذكر شيئا تركه من ثيابه فلا يقربه وهو يحبه:

كفى حزنا كري عليها كأنها ... لقي بين أيدي الطائفين حريم

يقول لا تمس .

فكانوا كذلك حتى بعث الله تعالى محمدًا صلى الله عليه وسلم فأنزل عليه حين أحكم له دينه وشرع له سنن حجه"ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم"يعني قريشا والناس العرب فرفعهم في سنة الحج إلى عرفات والوقوف عليها والإفاضة منها.

وأنزل الله عليه فيما كانوا حرموا على الناس من طعامهم ولبوسهم عند البيت حين طافوا عراة وحرموا ما جاءوا به من الحل من الطعام"يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون".

فوضع الله تعالى أمر الحمس وما كانت قريش ابتدعت منه عن الناس بالإسلام حين بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم .

قال بن إسحاق حدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عثمان بن أبي سليمان بن جبير بن معطعم عن عمه نافع بن جبير عن أبيه جبير بن مطعم قال لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن ينزل عليه الوحي وإنه لواقف على بعير له بعرفات مع الناس من بين قومه حتى يدفع معهم منها توفيقا من الله له صلى الله عليه وسلم تسليمًا كثيرًا.

قال بن إسحاق وكانت الأحبار من يهود والرهبان من النصارى والكهان من العرب قد تحدثوا بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه لما تقارب من زمانه أما الأحبار من يهود والرهبان من النصارى فعما وجدوا في كتبهم من صفته وصفة زمانه وما كان من عهد أنبيائهم إليهم فيه وأما الكهان من العرب فأتتهم به الشياطين من الجن فيما تسترق من السمع إذ كانت هي لا تحجب عن ذلك بالقذف بالنجوم وكان الكاهن والكاهنة لا يزال يقع منهما ذكر بعض أموره لا تلقي العرب لذلك فيه بالًا حتى بعثه الله تعالى ووقعت تلك الأمور التي كانوا يذكرون فعرفوها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت