فرأى قصي أنه أولى بالكعبة وبأمر مكة من خزاعة وبنى بكر وأن قريشا قرعه إسماعيل بن إبراهيم وصريح ولده فكلم رجالا من قريش وبني كنانة ودعاهم إلى إخراج خزاعة وبني بكر من مكة فأجابوه وكان ربيعة بن حرام من عذرة بن سعد بن زيد قد قدم مكة بعد هلك كلاب فتزوج فاطمة بنت سعد بن سيل وزهرة يومئذ رجل وقصي فطيم فاحتملها إلى بلاده فحملت قصيًا معها وأقام زهرة فولدت لربيعة رزاحا فلما بلغ قصي وصار رجلًا أتى مكة فأقام بها فلما أجابه قومه إلى ما دعاهم إليه كتب إلى أخيه من أمه رزاح بن ربيعة يدعوه إلى نصرته والقيام معه فخرج رزاح بن ربيعة ومعه إخوته حن بن ربيعة ومحمود بن ربيعة وجلهمة بن ربيعة وهم لغيرفاطمة فيمن تبعهم من قضاعة في حاج العرب وهم مجمعون لنصرة قصي وخزاعة تزعم أن حليل بن حبشية أوصى بذلك قصيًا وأمره به حين أنتشر له من ابنته من الولد ما انتشر وقال أنت أولى بالكعبة وبالقيام عليها وبأمر مكة من خزاعة فعند ذلك طلب قصي ما طلب ولم نسمع ذلك من غيرهم فالله أعلم أي ذلك كان.
وكان الغوث بن مر بن أد بن طابخة بن الياس بن مضر يلي الإجازة للناس بالحج من عرفة وولده من بعده وكان يقال له ولولده صوفه. وإنما ولي ذلك الغوث بن مر لأن أمه كانت امرأة من جرهم وكانت لا تلد فنذرت لله إن هي ولدت رجلًا أن تصدق به علي الكعبة عبدًا لها يخدمها ويقوم عليها فولدت فكان يقوم على الكعبة الدهر الأول مع أخواله من جرهم فولي الإجازة بالناس من عرفه لمكانه الذي كان به من الكعبة وولده من بعده حتى اتقرضوا فقال مر بن أد لوفاء نذر أمه:
إني جعلت رب من بنيه ... ربيطة بمكة العلية
فباركن لي بها أليه ... واجعله لي من صالح البرية
وكان الغوث بن مر - فيما زعموا - إذا دفع بالناس قال:
لأهم إني تابع تباعه ... إن كان إثم فعلى قضاعة
قال بن إسحاق حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عباد قال: كانت صوفة بالناس من عرفة وتجيز بهم إذا نفروا من منى فإذا كان يوم النفر أتوا لرمي الجمار ورجل من صوفة يرم للناس لا يرمون حتى يرمي فكان ذوو الحاجات المتعجلون يأتونه فيقولون له قم فارم حتى نرمي معك فيقول لا والله حتى تميل الشمس فيظل ذوو الحاجات الذين يحبون التعجل يرمونه بالحجارة ويستعجلونه بذلك ويقولون له ويلك قم فارم فيأبى عليهم حتى إذا مالت الشمس قام فرمى ورمى الناس معه.
قال بن إسحاق فإذا فرغوا من رمي الجمار وأرادوا النفر من منى أخذت صوفة بجانبي العقبة فحبسوا الناس وقالوا أجيري صوفة فلم يجز أحد من الناس حتى يمروا فإذا نفرت صوفة ومضت على سبيل الناس فانطلقوا بعدهم فكانوا كذلك حتى انقرضوا فورثهم ذلك من بعدهم بالقعدد بنو سعد بن زيد مناة بن تميم وكانت من بني سعد في آل صفوان بن الحارث بن شجنة .
قال بن هشام صفوان بن جناب بن شجنة بن عطارد بن عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم .
قال بن إسحاق وكان صفوان هو الذي يجيز للناس بالحج من عرفة ثم بنوه من بعده حتى كان آخرهم الذي قام عليه الإسلام كرب بن صفوان وقال أوس بن تميم بن مغراء السعدي:
لا يبرح الناس ما حجوا معرفهم ... حتى يقال اجيزوا آل صفوانا
قال بن هشام هذا البيت في قصيدة لأوس بن مغراء.
وأما قول ذي الإصبع العدواني واسمه حرثان بن عمرو وإنما سميء ذا الإصبع لأنه كان له إصبع فقطعها:
عذير الحي من عدوا ... ن كانوا حية الأرض
بغي بعضهم ظلما ... فلم يرع على بعض
ومنهم كانت السادا ... ت والموفون بالقرض
ومنهم من يجيز النا ... س بالسنة والفرض
ومنهم حكم يقضي ... فلا ينقض ما يقضي