قال وجاء الرجل الذي بعثوا معه فقالوا ويحك ماذا رأيت قال عجبا من العجب والله ما هو إلا أن ضرب عليه بابه فخرج إليه وما معه روحه فقال له أعط هذا حقه فقال نعم لا تبرح حتى أخرج إليه حقه فدخل فخرج إليه بحقه فأعطاه إياه قال ثم لم يلبث أبو جهل أن جاء فقالوا ويلك ما لك والله ما رأينا مثل ما صنعت قط قال ويحكم والله ما هو إلا أن ضرب علي بابي وسمعت صوته فملئت رعبا ثم خرجت إليه وإن فوق رأسه لفحلًامن الإبل ما رأيت مثل هامته ولا قصرته ولا أنيابه لفحل قط والله لو ابيت لأكلني.
قال بن إسحاق وحدثني أبي إسحاق بن يسار قال كان ركانه بن عبد يزيد بن هاشم بن عبد المطلب بن عبد مناف أشد قريش فخلا يومًا برسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض شعاب مكة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم يا ركانة ألا تتقي الله وتقبل ما أدعوك إليه قال إني لو أعلم أن الذي تقول حق لاتبعتك فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أفرأيت إن صرعتك أتعلم أن ما أقول حق قال نعم قال فقم حتى أصارعك قال فقام إليه ركانه يصارعه فلما بطش به رسول الله صلى الله عليه وسلم أضجعه وهو لا يملك من نفسه شيئًا ثم قال عد يا محمد فعاد فصرعه فقال يا محمد والله إن هذا للعجب أتصرعني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعجب من ذلك إن شئت أن أريكه إن اتقيت الله واتبعت أمري قال ما هو قال أدعوا لك هذه الشجرة التي ترى فتأتيني قال أدعها فدعاها فأقبلت حتى وقفت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فقال لها ارجعي إلى مكانك قال فرجعت إلى مكانها.
قال فذهب ركانة إلى قومه فقال يا بني عبد مناف ساحروا بصاحبكم أهل الأرض فو الله ما رأيت أسحر منه قط ثم أخبرهم بالذي رأى والذي صنع.
قال بن إسحاق ثم قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة عشرون رجلًا أو قريب من ذلك من النصارى حين بلغهم خبره من الحبشة فوجدوه في المسجد فجلسوا إليه وكلموه وسألوه ورجال من قريش في أنديتهم حول الكعبة فلما فرغوا من مسألة رسول الله صلى الله عليه وسلم عما أرادوا دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الله عز وجل وتلا عليهم القرآن فلما سمعوا القرآن فاضت أعينهم من الدمع ثم استجابوا بالله وآمنوا به وصدقوه وعرفوا منه ما كان يوصف لهم في كتابهم من أمره فلما قاموا عنه اعترضهم أبو جهل بن هشام في نفر من قريش فقالوا لهم خيبكم الله من ركب بعثكم من وراءكم من أهل دينكم ترتادون لهم لتأتوهم بخبر الرجل فلم تطمئن مجالسكم عنده حتى فارقتم دينكم وصدقتموه بما قال ما نعلم ركبا أحمق منكم أو كما فقالوا فقالو لهم سلام عليكم لا نجاهلكم لنا ما نحن عليه ولكم ما أنتم عليه لم نأل أنفسنا خيرًا.
ويقال إن النفر من النصارى من أهل نجران فالله أعلم أي ذلك كان فيقال - والله أعلم - فيهم نزلت هؤلاء الآيات"الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا أنا كنا من قبله مسلمين"إلى قوله"لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين".
قال بن إسحاق وقد سألت بن شهاب الزهري عن هؤلاء الآيات فيمن أنزلن فقال لي ما أسمع من علمائنا أنهن أنزلن في النجاشي وأصحابه والآية من سورة المائدة من قوله"ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون"إلى قوله"فاكتبنا مع الشاهدين".