أقول لما أتى الناعي له جزعًا ... أودى الجواد وأودى المطعم الكاسي
وقلت لما خلت منه مجالسه ... لا يبعد الله عنا قرب شماس
فأجابها أخوها وهو أبو الحكم بن سعيد بن يربوع يعزيها فقال:
إقنى حياءك في ستر وفي كرم ... فإنما كان شماس من الناس
لا تقتلي النفس إذ حانت منيته ... في طاعة الله يوم الروع والباس
قد كان حمزة ليث الله فاصطبري ... فذاق يومئذ من كأس شماس
وقالت هند بنت عتبة حين انصرف المشركون عن أحد:
رجعت وفي نفسي بلابل جمة ... وقد فاتني بعض الذي كان مطلبي
من أصحاب بدر من قريش وغيرهم ... بني هاشم منهم ومن أهل يثرب
ولكنني قد نلت شيئًا ولم يكن ... كما كنت أرجو في مسيري ومركبي
قال ابن هشام: وأنشدني بعض أهل العلم بالشعر قولها:
وقد فاتني بعض الذي كان مطلبي
وبعضهم ينكرها لهند والله أعلم.
قال: حدثنا أبو محمد عبد الملك بن هشام قال: حدثنا زياد بن عبد الله البكائي عن محمد بن إسحاق المطلبي قال: حدثنا عاصم بن عمر بن قتادة قال: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أحد رهط من عضل والقارة.
قال ابن هشام: عضل والقارة من الهون بن خزيمة بن مدركة.
قال ابن هشام: ويقال الهون بضم الهاء.
قال ابن إسحاق: فقالوا يا رسول الله إن فينا إسلامًا فابعث معنا نفرًا من أصحابك يفقهوننا في الدين ويقرئوننا القرآن ويعلموننا شرائع الإسلام فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم نفرًا ستة من أصحابه وهم مرثد بن أبي مرثد الغنوي حليف حمزة بن عبد المطلب وخالد بن البكير الليثي حليف بني عدي بن كعب وعاصم بن ثابت بن أبي الأقلح أخو بني عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس وخبيب بن عدي أخو بني جحجبي بن كلفة بن عمرو بن عوف وزيد بن الدثنة بن معاوية أخو بني بياضة بن عمرو بن زريق بن عبد حارثة بن مالك بن غصب بن جشم بن الخزرج وعبد الله بن طارق حليف بني ظفر بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس.
وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم على القوم مرثد بن أبي مرثد الغنوي فخرج مع القوم حتى إذا كانوا على الرجيع ماء لهذيل بناحية الحجاز على صدور الهدأة غدروا بهم فاستصرخوا عليهم هذيلًا فلم يرع القوم وهم في رحالهم إلا الرجال بأيديهم السيوف قد غشوهم فأخذوا أسيافهم ليقاتلوهم فقالوا لهم: إنا والله ما نريد قتلكم ولكنا نريد أن نصيب بكم شيئًا من أهل مكة ولكم عهد الله وميثاقه أن لا نقتلكم.
فأما مرثد بن أبي مرثد وخالد بن البكير وعاصم بن ثابت فقالوا: والله لا نقبل من مشرك عهدًا ولا عقدًا أبدًا فقال عاصم بن ثابت:
ما علتي وأنا جلد نابل ... والقوس فيها وتر عنابل
تزل عن صفحتها المعابل ... الموت حق والحياة باطل
وكل ما حم الإله نازل ... بالمرء والمرء إليه آئل
إن لم أقاتلكم فأمي هابل
قال ابن هشام: هابل: ثاكل.
وقال عاصم بن ثابت أيضًا:
أبو سليمان وريش المعقد ... وضالة مثل الجحيم الموقد
إذا النواجي افترشت لم أرعد ... ومجنأ من جلد ثور أجرد
ومؤمن بما على محمد
وقال عاصم بن ثابت أيضًا:
أبو سليمان ومثلي رامي ... وكان قومي معشرًا كراما
وكان عاصم بن ثابت يكنى: أبا سليمان ثم قاتل القوم حتى قتل وقتل صاحباه.
فلما قتل عاصم أرادت هذيل أخذ رأسه ليبيعوه من سلافة بنت سعد بن شهيد وكانت قد نذرت حين أصاب ابنيها يوم أحد: لئن قدرت على رأس عاصم لتشربن في قحفه الخمر فمنعه الدبر فلما حالت بينه وبينهم قالوا: دعوه يمسي فتذهب عنه فنأخذه فبعث الله الوادي فاحتمل عاصمًا فذهب به وقد كان عاصم قد أعطى الله عهدًا أن لا يمسه مشرك ولا يمس مشركًا أبدًا تنجسًا فكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: حين بلغه أن الدبر منعته: يحفظ الله العبد المؤمن كان عاصم نذر أن لا يمسه مشرك ولا يمس مشركًا أبدًا في حياته فمنعه الله بعد وفاته كما امتنع منه في حياته.