قال بن هشام وكان مثل أثر المحجم . قال بن إسحاق فلما فرغ أقبل على عمه أبي طالب فقال له ما هذا الغلام منك قال ابني قال له بحيري ما هو بابنك وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حيًا قال فإنه بن أخي قال فما فعل أبوه قال مات وأمه حبلى به قال صدقت فارجع بابن أخيك إلى بلده واحذر عليه يهود فوالله لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت ليبغنه شرًا فإنه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم فأسرع به إلى بلاده .
فخرج به عمه أبو طالب سريعًا حتى أقدمه مكة حين فرغ من تجارته بالشام فزعموا فيما روى الناس أن زريرًا وتمامًا ودريسًا وهم نفر من أهل الكتاب قد كانوا رأوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما رآه بحيري في ذلك السفر الذي كان فيه مع عمه أبي طالب فأرادوه فردهم عنه بحيري وذكرهم الله وما يجدون في الكتاب من ذكره وصفته وأنهم إن أجمعوا لما أرادوا به لم يخلصوا إليه ولم يزل بهم حتى عرفوا ما قال لهم وصدقوه بما قال فتركوه وانصرفوا عنه فشب رسول الله صلى الله عليه وسلم والله تعالى يكلؤه ويحفظه ويحوطه من أقذار الجاهلية لما يريد به من كرامته ورسالته حتى بلغ أن كان رجلًا أفضل قومه مروءة وأحسنهم خلقًا وأكرمهم حسبًا وأحسنهم جوارًا وأعظمهم حلمًا وأصدقهم حديثًا وأعظمهم أمانة وأبعدهم من الفحش والأخلاق التي تدنس الرجال تنزها وتكرما حتى ما اسمه في قومه إلا الأمين لما جمع الله فيه من الأمور الصالحة.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما ذكر لي - يحدث عما كان الله يحفظه به في صغره وأمر جاهليته أنه قال: لقد رأيتني في غلمان قريش ننقل حجارة لبعض ما يلعب به الغلمان كلنا قد تعرى وأخذ إزاره فجعله على رقبته يحمل عليه الحجارة فإني لأقبل معهم كذلك وأدبر إذ لكمني لاكم ما أراه لكمة وجيعة ثم قال شد عليك إزارك قال فأخذته وشددته علي ثم جعلت أحمل الحجارة على رقبتي وإزاري علي من بين أصحابي.
قال بن هشام فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع عشرة سنة أو خمس عشرة سنة فيما حدثني أبو عبيدة النحوي عن أبي عمرو بن العلاء هاجت حرب الفجار بين قريش ومن معها من كنانة وبين قيس عيلان وكان الذي هاجها أن عروة الرحال بن عتبة بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن هوازن أجار لطيمة للنعمان بن المنذر فقال له البراض بن قيس أحد بني ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة أتجيرها على كنانة قال نعم وعلى الخلق فخرج فيها عروة الرحال وخرج البراض يطلب غفلته حتى إذا كان بتيمن ذي طلال بالعالية غفل عروة فوثب عليه البراض فقتله في الشهر الحرام فلذلك سمي الفجار وقال البراض في ذلك:
وداهية تهم الناس قبلي ... شددت لها بني بكر ضلوعي
هدمت بها بيوت بني كلاب ... وأرضعت الموالي بالضروع
رفعت له بذي طلال كفي ... فخر يميد كالجذع الصريع
وقال لبيد بن مالك بن جعفر بن كلاب:
أبلغ إن عرضت بن كلاب ... وعمر والخوب لها موالي
وبلغ إن عرضت بن نمير ... وأخوال القتيل بني هلال
بأن الوافد الرحال أمسى ... مقيمًا عند تيمن ذي طلال
وهذه الأبيات في أبيات له فيما ذكر بن هشام .
قال بن هشام فأتى آت قريشًا فقال إن البراض قد قتل عروة وهم في الشهر الحرام بعكاظ وهوازن لا تشعر بهم ثم بلغهم الخبر فأتبعوهم فأدركوهم قبل أن يدخلوا الحرم فاقتتلوا حتى جاء الليل ودخلوا الحرم فأمسكت عنهم هوازن ثم ألتقوا بعد هذا اليوم أياما والقوم متساندون على كل قبيل من قريش وكنانة رئيس منهم وعلى كل قبيل من قيس رئيس منهم.
وشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض أيامهم أخرجه أعمامه معهم وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كنت أنبل على أعمامي أي أرد عنهم نبل عدوهم إذا رموهم بها .
قال بن إسحاق هاجت حرب الفجار ورسول الله صلى الله عليه وسلم بن عشرين سنة سبب تسمية هذا اليوم بالفجار وإنما سمي يوم الفجار بما استحل هذان الحيان كنانة وقيس عيلان فيه من المحارم بينهم .