قال بن إسحاق أي هم من ظلمة ما هم فيه من الكفر والحذر من القتل من الذي هم عليه من الخلاف والتخوف لكم على مثل ما وصف من الذي هو في ظلمة الصيب يجعل أصابعه في أذنيه من الصواعق حذر الموت يقول والله منزل ذلك بهم من النقمة أي هو محيط بالكافرين"يكاد البرق يخطف أبصارهم"أي لشدة ضوء الحق"كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا"أي يعرفون الحق ويتكلمون به فهم من قولهم به على استقامة فإذا ارتكسوا منه في الكفر قاموا متحيرين"ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم"أي لما تركوا من الحق بعد معرفته"إن الله على كل شيء قدير".
ثم قال"يا أيها الناس أعبدوا ربكم"للفريقين جميعا من الكفار والمنافقين أي وحدوا ربكم"الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون".
قال بن هشام الأنداد الأمثال واحدهم ند قال لبيد بن ربيعة:
أحمد الله فلا ند له ... بيديه الخير ما شاء فعل
وهذا البيت في قصيدة له.
قال بن إسحاق أي لا تشركوا بالله غيره من الأنداد التي لا تنفع ولا تضر وأنتم تعلمون أنه لا رب لكم يزرقكم غيره وقد علمتم أن الذي يدعوكم اليه الرسول من توحيده هو الحق لا شك فيه"وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا"أي في شك مما جاءكم به"فاتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله"أي من استطعتم من أعوانكم على ما أنتم عليه"إن كنتم صادقين فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا"فقد تبين لكم الحق"فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين"أي لمن كان على مثل ما أنتم عليه من الكفر .
ثم رغبهم وحذرهم نقض الميثاق الذي أخذ عليهم لنبيه صلى الله عليه وسلم إذا جاءهم وذكر لهم بدء خلقهم حين خلقهم وشأن أبيهم آدم عليه السلام وأمره وكيف صنع به حين خالف عن طاعته ثم قال"يا بني إسرائيل"للأحبار من يهود"اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم"أي بلائي عندكم وعند آبائكم لما كان نجاهم به من فرعون وقومه"وأوفوا بعهدي"الذي أخذت في أعناقكم لنبيي أحمد إذا جاءكم"أوف بعهدكم"أنجز لكم ما وعدتكم على تصديقه واتباعه بوضع ما كان عليكم من الآصار والأغلال التي كانت في أعناقكم بذنوبكم التي كانت من أحداثكم"وإياي فارهبون"أي أن أنزل بكم ما أنزلت بمن كان قبلكم من النقمات التي قد عرفتم من المسخ وغيره"وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم ولا تكونوا أول كافر به"وعندكم من العلم فيه ما ليس عند غيركم"وإياي فاتقون ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون". أي لا تكتموا ما عندكم من المعرفة برسولي ومما جاء به وأنتم تجدونه عندكم فيما تعلمون من الكتب التي بأيديكم"أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون". أي أتنهون الناس عن الكفر بما عندكم من النبوة والعهد من التوراة وترتكون أنفسكم أي وأنتم تكفرون بما فيها من عهدي اليكم في تصديق رسولي وتنقضون ميثاقي وتجحدون ما تعلمون من كتابي .
ثم عدد عليهم أحداثهم فذكر لهم العجل وما صنعوا فيه وتوبته عليهم وإقالته إياهم ثم قولهم"أرنا الله جهرة".
قال بن هشام جهرة أي ظاهرا لنا لا شيء يستره عنا قال أبو الأخرز الحماني واسمه قتيبة:
يجهر أجواف المياه السدم
وهذا البيت في أرجوزة له. يجهر يقول يظهر الماء ويكشف عنه ما يستره من الرمل وغيره.
قال بن إسحاق وأخذ الصاعقة إياهم عند ذلك لغرتهم ثم إحياءه إياهم بعد موتهم وتظليله عليهم الغمام وإنزاله عليهم المن والسلوى وقوله لهم"ادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة". أي قولوا ما آمركم به أحط به ذنوبكم عنكم وتبديلهم ذلك من قوله استهزاء بأمره وإقالته إياهم ذلك بعد هزئهم.
قال بن هشام المن شيء كان يسقط في السحر على شجرهم فيجتنونه حلوا مثل العسل فيشربونه ويأكلونه قال أعشى بني قيس بن ثعلبة:
لو أطعموا المن والسلوى مكانهم ... ما أبصر الناس طعما فيهم نجعا
وهذا البيت في قصيدة له والسلوى طير واحدتها سلواة ويقال إنها السماني ويقال للعسل أيضا السلوى وقال خالد بن زهير الهذلي:
وقاسمها بالله حقا لأنتم ... ألذ من السلوى إذا ما نشورها