ثم قال تعالى يعني المنافقين الذين كانوا يتسللون من العمل ويذهبون بغير إذن من النبي صلى الله عليه وسلم:"لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضًا قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذًا فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم".
قال ابن هشام: اللواذ: الاستتار بالشيء عند الهرب قال حسان بن ثابت:
وقريش تفر منا لواذًا ... أن يقيموا وخف منها الحلوم
وهذا البيت في قصيدة له قد ذكرتها في أشعار يوم أحد.
"ألا إن لله ما في السموات والأرض قد يعلم ما أنتم عليه".
قال ابن إسحاق: من صدق أو كذب"ويوم يرجعون إليه فينبئهم بما عملوا والله بكل شيء عليم".
قال ابن إسحاق: وعمل المسلمون فيه حتى أحكموه وارتجزوا فيه برجل من المسلمين يقال له جعيل سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم: عمرًا فقالوا:
سماه من بعد جعيل عمرًا ... وكان للبائس يومًا ظهرا
فإذا مروا"بعمرو"قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عمرًا وإذا مروا"بظهر"قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ظهرا.
قال ابن إسحاق: وكان في حفر الخندق أحاديث بلغتني فيها من الله تعالى عبرة في تصديق رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحقيق نبوته عاين ذلك المسلمون.
فكان مما بلغني أن جابر بن عبد الله كان يحدث أنه اشتدت عليهم في بعض الخندق كدية فشكوها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا بإناء من ماء فتفل فيه ثم دعا بما شاء الله أن يدعو به ثم نضح ذلك الماء على تلك الكدية فيقول من حضرها: فوالذي بعثه بالحق نبيًا لانهالت حتى عادت كالكثيب لا ترد فأسًا ولا مسحاة.
قال ابن إسحاق: وحدثني سعيد بن مينا أنه حدث: أن ابنة لبشير بن سعد أخت النعمان بن بشير قالت: دعتني أمي عمرة بنت رواحة فأعطتني حفنة من تمر في ثوبي ثم قالت: أي بنية اذهبي إلى أبيك وخالك عبد الله بن رواحة بغدائهما قالت: فأخذتها فانطلقت بها فمررت برسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا التمس أبي وخالي فقال: تعالى يا بنية ما هذا معك؟ قالت: فقلت: يا رسول الله هذا تمر بعثتني به أمي إلى أبي بشير بن سعد وخالي عبد الله بن رواحة يتغديانه قال: هاتيه قالت: فصببته في كفي رسول الله صلى الله عليه وسلم فما ملأتهما ثم أمر بثوب فبسط له ثم دحا بالتمر عليه فتبدد فوق الثوب ثم قال لإنسان عنده: اصرخ في أهل الخندق: أن هلم إلى الغداء فاجتمع الخندق عليه فجعلوا يأكلون منه وجعل يزيد حتى صدر أهل الخندق عنه وإنه ليسقط من أطراف الثوب.
قال ابن إسحاق: وحدثني سعيد بن مينا عن جابر بن عبد الله قال: عملنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخندق فكانت عندي شويهة غير جد سمينة قال: فقلت: والله لو صنعناها لرسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فأمرت امرأتي فطحنت لنا شيئًا من شعير فصنعت لنا منه خبزًا وذبحت تلك الشاة فشويناها لرسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فلما أمسينا وأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم الانصراف عن الخندق قال: وكنا نعمل فيه نهارنا فإذا أمسينا رجعنا إلى أهالينا قال: قلت: يا رسول الله إني قد صنعت لك شويهة كانت عندنا وصنعنا معها شيئًا من خبز هذا الشعير فاحب أن تنصرف معي إلى منزلي وإنما أريد أن ينصرف معي رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده قال: فلما أن قلت له ذلك قال: نعم ثم أمر صارخًا فصرخ أن انصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت جابر بن عبد الله قال: قلت: إنا لله وإنا إليه راجعون! قال: فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقبل الناس معه قال: فجلس وأخرجناها إليه قال: فبرك وسمى الله ثم أكل وتواردها الناس كلما فرغ قوم قاموا وجاء ناس حتى صدر أهل الخندق عنها.