لولا الخنادق غادروا من جمعهم ... قتلى لطير سغب وذئاب
فأجابه حسان بن ثابت الأنصاري فقال:
هل رسم دراسة المقام يباب ... متكلم لمحاور بجواب
قفر عفا رهم السحاب رسومه ... وهبوب كل مطلة مرباب
ولقد رأيت بها الحلول يزينهم ... بيض الوجوه ثواقب الأحساب
فدع الديار وذكر كل خريدة ... بيضاء آنسة الحديث كعاب
واشك الهموم إلى الإله وما ترى ... من معشر ظلموا الرسول غضاب
ساروا بأجمعهم إليه وألبوا ... أهل القرى وبوادي الأعراب
جيش عيينة وابن حرب فيهم ... متخمطون بحلبة الأحزاب
حتى إذا وردوا المدينة وارتجوا ... قتل الرسول ومغنم الأسلاب
وغدوا علينا قادرين بأيدهم ... ردوا بغيظهم على الأعقاب
بهبوب معصفة تفرق جمعهم ... وجنود ربك سيد الأرباب
فكفى الإله المؤمنين قتالهم ... وأثابهم في الأجر خير ثواب
من بعد ما قنطوا ففرق جمعهم ... تنزيل نصر مليكنا الوهاب
وأقر عين محمد وصحابه ... وأذل كل مكذب مرتاب
عاتي الفؤاد موقع ذي ريبة ... في الكفر ليس بطاهر الأثواب
علق الشقاء بقلبه ففؤاده ... في الكفر آخر هذه الأحقاب
وأجابه كعب بن مالك أيضًا فقال:
ابقي لنا حدث الحروب بقية ... من خير نحلة ربنا الوهاب
بيضاء مشرفة الذرى ومعاطنا ... حم الجذوع غزيرة الأحلاب
كاللوب يبذل جمها وحفيلها ... للجار وابن العم والمنتاب
ونزائعًا مثل السراح نمى بها ... علف الشعير وجزة المقضاب
عرى الشوى منها وأردف نحضها ... جرد المتون وسائر الآراب
قودًا تراح إلى الصياح إذ غدت ... فعل الضراء تراح للكلاب
وتحوط سائمة الديار وتارة ... تردى العدا وتئوب بالأسلاب
حوش الوحوش مطارة عند الوغى ... عبس اللقاء مبينة الإنجاب
علفت على دعة فصارت بدنا ... دخس البضيع خفيفة الأقصاب
يغدون بالزغف المضاعف شكة ... وبمترصات في الثقاف صياب
صوارم نزع الصياقل غلبها ... وبكل أروع ماجد الأنساب
يصل اليمين بمارن متقارب ... وكلت وقيعته إلى خباب
وأغر أزرق في القناة كأنه ... في طخية الظلماء ضوء شهاب
وكتيبة ينفي القران قتيرها ... وترد حد قواحذ النشاب
جأوى ململمة كأن رماحها ... في كل مجمعة ضريمة غاب
يأوي إلى ظل اللواء كأنه ... في صعدة الخطي فيء عقاب
أعيت أبا كرب وأعيت تبعًا ... وأبت بسالتها على الأعراب
ومواعظ من ربنا نهدى بها ... بلسان أزهر طيب الأثواب
عرضت علينا فاشتهينا ذكرها ... من بعد ما عرضت على الأحزاب
حكمًا يراها المجرمون بزعمهم ... حرجا ويفهمها ذوو الألباب
جاءت سخينة كي تغالب ربها ... فليغلبن مغالب الغلاب
قال ابن هشام: حدثني من أثق به قال: حدثني عبد الملك بن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير قال كعب بن مالك:
جاءت سخينة كي تغالب ربها ... فليغلبن مغالب الغلاب
قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد شكرك الله يا كعب على قولك هذا.
قال ابن إسحاق: وقال كعب بن مالك في يوم الخندق:
من سره ضرب يمعمع بعضه ... بعضًا كمعمعة الأباء المحرق
فليأت مأسدة تسن سيوفها ... بين المذاد وبين جزع الخندق
دربوا بصرب المعلمين وأسلموا ... مهجات أنفسهم لرب المشرق
في عصبة نصر الإله نبيه ... بهم وكان بعبده ذا مرفق