قال ابن شهاب: فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس فقال: اسلكوا ذات اليمين بين ظهري الحمش في طريق تخرجه على ثنية المرار مهبط الحديبية من أسفل مكة قال: فسلك الجيش ذلك الطريق فلما رأت خيل قريش قترة الجيش قد خالفوا عن طريقهم رجعوا راكضين إلى قريش وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا سلك في ثنية المرار بركت ناقته فقالت الناس: خلأت الناقة قال: ما خلأت وما هو لها بخلق ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة يسألونني فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها ثم قال للناس: انزلوا قيل له: يا رسول الله: ما بالوادي ماء ننزل عليه فأخرج سهمًا من كنانته فأعطاه رجلًا من أصحابه فنزل به في قليب من تلك القلب فغرزه في جوفه فجاش بالرواء حتى ضرب الناس عنه بعطن.
قال ابن إسحاق: فحدثني بعض أهل العلم عن رجال من أسلم: أن الذي نزل في القليب بسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ناجية بن جندب بن عمير بن يعمر بن دارم بن عمر بن واثلة بن سهم بن مازن بن أسلم بن أفصى بن أبي حارثة وهو سائق بدن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال ابن هشام: أفصى بن حارثة.
قال ابن إسحاق: وقد زعم لي بعض أهل العلم أن البراء بن عازب كان يقول: أنا الذي نزلت بسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فالله أعلم أي ذلك كان.
وقد أنشدت أسلم أبياتًا من شعر قالها ناجية قد ظننا أنه هو الذي نزل بالسهم فزعمت أسلم أن جارية من الأنصار أقبلت بدلوها وناجية في القليب يميح على الناس فقالت:
يأيها المائح دلوي دونكا ... إني رأيت الناس يحمدونكا
يثنون خيرًا ويمجدونكما قال ابن هشام: ويروى:
إني رأيت الناس يمدحونكا
قال ابن إسحاق: فقال ناجية وهو في القليب يميح على الناس:
قد علمت جارية يمانيه ... أني أنا المائح واسمي ناجيه
وطعنة ذات رشاش واهيه ... طعنتها عند صدور العادية
فقال الزهري في حديثه: فلما اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه بديل بن ورقاء الخزاعي في رجال من خزاعة فكلموه وسألوه: ما الذي جاء به؟ فأخبرهم أنه لم يأت يريد حربًا وإنما جاء زائرًا للبيت ومعظمًا لحرمته ثم قال لهم نحوًا مما قال لبشر بن سفيان فرجعوا إلى قريش فقالوا: يا معشر قريش إنكم تعجلون على محمد إن محمدًا لم يأت لقتال وإنما جاء زائرًا هذا البيت فاتهموهم وجبهوهم وقالوا: وإن كان جاء ولا يريد قتالًا فوالله لا يدخلها علينا عنوة أبدًا ولا تحدث بذلك عنا العرب.
قال الزهري: وكانت خزاعة عيبة نصح رسول الله صلى الله عليه وسلم مسلمها ومشركها لا يخفون عنه شيئًا كان بمكة.
قال: ثم بعثوا إليه مكرز بن حفص بن الأخيف أخا بني عامر بن لؤي فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم مقبلًا قال: هذا رجل غادر فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلمه قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم نحوًا مما قال لبديل وأصحابه فرجع إلى قريش فأخبرهم بما قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم بعثوا إليه الحليس بن علقمة أو ابن زبان وكان يومئذ سيد الأحابيش وهو أحد بني الحارث بن عبد مناة بن كنانة فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن هذا من قوم يتألهون فابعثوا الهدي في وجهه حتى يراه فلما رأى الهدي يسيل عليه من عرض الوادي في قلائده وقد أكل أوباره من طول الحبس عن محله رجع إلى قريش ولم يصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إعظامًا لما رأى فقال لهم ذلك قال: فقالوا له: اجلس فإنما أنت أعرابي لا علم لك.
قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن أبي بكر: أن الحليس غضب عند ذلك وقال: يا معشر قريش والله ما على هذا حالفناكم ولا على هذا عاقدناكم أيصد عن بيت الله من جاء معظمًا له والذي نفس الحليس بيده لتخلن بين محمد وبين ما جاء له أو لأنفرن بالأحابيش نفرة رجل واحد قال: فقالوا له: مه كف عنا يا حليس حتى نأخذ لأنفسنا ما نرضى به.