قال حدثنا أبو محمد عبد الملك بن هشام قال زياد بن عبد الله البكائي عن محمد بن إسحاق المطلبي قال: ثم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة ما بين ذي الحجة إلى رجب ثم أمر الناس بالتهيؤ لغزو الروم وقد ذكر لنا الزهري ويزيد بن رومان وعبد الله بن أبي بكر وعاصم بن عمر بن قتادة وغيرهم من علمائنا كل حدث في غزوة تبوك ما بلغه عنها وبعض القوم يحدث ما لا يحدث بعض: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه بالتهيؤ لغزو الروم وذلك في زمان من عسرة الناس وشدة من الحر وجدب من البلاد: وحين طابت الثمار والناس يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم ويكرهون الشخوص على الحال من الزمان الذي هم عليه وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قلما يخرج في غزوة إلا كنى عنها وأخبر أنه يريد غير الوجه الذي يصمد له إلا ما كان من غزوة تبوك فإنه بينها للناس لبعد الشقة وشدة الزمان وكثرة العدو الذي يصمد له ليتأهب الناس لذلك أهبته فأمر الناس بالجهاز وأخبرهم أنه يريد الروم.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم وهو في جهازه ذلك للجد بن قيس أحد بني سلمة: يا جد هل لك العام في جلاد بني الأصفر؟ فقال: يا رسول الله أو تأذن لي ولا تفتني؟ فوالله لقد عرف قومي أنه ما من رجل بأشد عجبًا بالنساء مني وإني أخشى إن رأيت نساء بني الأصفر أن لا أصبر فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: قد أذنت لك ففي الجد بن قيس نزلت هذه الآية"ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين"أي إن كان إنما خشي الفتنة من نساء بني الأصفر وليس ذلك به فما سقط فيه من الفتنة أكبر بتخلفه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والرغبة بنفسه عن نفسه يقول تعالى:"وإن جهنم لمن ورائه".
وقال قوم من المنافقين بعضهم لبعض: لا تنفروا في الحر زهادة في الجهاد وشكًا في الحق وإرجافًا برسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تبارك وتعالى فيهم:"وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حرًا لو كانوا يفقهون فليضحكوا قليلًا وليبكوا كثيرًا جزاء بما كانوا يكسبون".
قال ابن هشام: وحدثني الثقة عمن حدثه عن محمد بن طلحة بن عبد الرحمن عن إسحاق بن إبراهيم بن عبد الله بن حارثة عن أبيه عن جده قال: بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ناسًا من المنافقين يجتمعون في بيت سويلم اليهودي وكان بيته عند جاسوم يثبطون الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك فبعث إليهم النبي صلى الله عليه وسلم طلحة بن عبيد الله في نفر من أصحابه وأمره أن يحرق عليهم بيت سويلم ففعل طلحة فاقتحم الضحاك بن خليفة من ظهر البيت فانكسرت رجله واقتحم أصحابه فافلتوا فقال الضحاك في ذلك:
كادت وبيت الله نار محمد ... يشيط بها الضحاك وابن أبيرق
وظلت وقد طبقت كبس سويلم ... أنوء على رجلي كسيرًا ومرفقي
سلام عليكم لا أعود لمثلها ... أخاف ومن تشمل به النار يحرق
قال ابن إسحاق: ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم جد في سفره وأمر الناس بالجهاز والإنكماش وحض أهل الغنى على النفقة والحملان في سبيل الله فحمل رجال من أهل الغنى واحتسبوا وأنفق عثمان بن عفان في ذلك نفقة عظيمة لم ينفق أحد مثلها.
قال ابن هشام: حدثني من أثق به: أن عثمان بن عفان أنفق في جيش العسرة في غزوة تبوك ألف دينار فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم ارض عن عثمان فإني عنه راض.
قال ابن إسحاق: ثم إن رجالًا من المسلمين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم البكاءون وهم سبعة نفر من الأنصار وغيرهم من بني عمرو بن عوف: سالم بن عمير وعلبة بن زيد أخو بني حارثة وأبو ليلى عبد الرحمن بن كعب وأخو بني مازن بن النجار وعمرو بن حمام بن الجموح أخو بني سلمة عبد الله بن المغفل المزني وبعض الناس يقول: بل هو عبد الله بن عمرو المزني وهرمي بن عبد الله أخو بني واقف وعرباض بن سارية الفزاري فاستحملوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا أهل حاجة فقال: لا أجد ما أحملكم عليه فتولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنًا ألا يجدوا ما ينفقون.